التهمة بالتبع لاتهام سلفه الشريف غالب لسلفهم عند مبدأ ظهورهم، وثبت أنه كاذب
كسلفه وخلفه، فقد استولوا على بلاد الحسا التي كانت سلطة الدولة العثمانية، ولم
يعاملوا الشيعة من أهلها معاملة الكفار في شيء، مع أن الخلاف بين الوهابية
المتعصبين للسنة وبين الشيعة شديد جدا، ولذلك نجد شيعة إيران والهند والعراق
وسورية أشد الناس تحاملا عليهم، حتى إن صديقنا السيد هبة الدين الشهرستاني
الذي كنا نعده من دعاة الجامعة الإسلامية ومن المعتدلين في التشيع ألف رسالة في
صد المسلمين عن الحج، مع وجود الوهابية في الحجاز، وأما أهل الحجاز فقد
اجتمع علماؤهم بعلماء نجد عقب احتلال ابن السعود لها، وقرروا بعد المذاكرة أنه
لا خلاف بينهم في العقيدة، وأنهم كلهم على السنة، كما جرى مثل ذلك عند احتلال
الأمير سعود لمكة المكرمة منذ قرن وسنين حذو القذة بالقذة، فأي مصلحة في عقد
صلح يفضي إلى إعادة تكفير من يدعي الخلافة لأقوى شعوب الجزيرة دينا ونجدة
وقتاله لهم إن قدر، ولو بمساعدة الإنكليز؛ لأجل إكراههم على ترك السنة وعبادة
القبور؟
(3) إن الشريف حسينا وأولاده ليس لهم قوة ولا عصبية في بلاد الحجاز
ولا في غيرها من بلاد العرب كما كنا نقول، وثبت قولنا بالفعل بما علمه القاصي
والداني من كون جميع قبائل الحجاز القوية مشايعة لسلطان نجد عليهم، ولولا ذلك
لم يستطع الوهابيون البقاء في الحجاز، ومن كون الجند الذي يدافع عن جدة قد جمعه
الشريف علي وأعوانه من فقراء اليمن وفلسطين وسورية المحتاجين إلى القوت
الضروري؛ ولأجل هذا بنى الشريف حسين ثورته وما سماه (مقررات النهضة)
العربية على تأسيس الإنكليز للمملكة العربية وحمايتها لها من الداخل والخارج،
وكان أول من نشر هذه المقررات الأمير فيصل في سورية، ومن المعلوم
بالضرورة أن الشريف حسينا وأولاده متكافلون متعاونون في سياستهم، وأن الحجاز
لا يستغني عن مساعدة حكومتي شرق الأردن والعراق، مع عداوته الراسخة لنجد،
وطمعه في إخضاعها هي واليمن وتهامة كما تقدم، ومن المعلوم بالضرورة أن
هاتين الحكومتين بريطانيتان، فلن تكون حينئذ الحجاز غير بريطانية.
***
غرض الإنكليز حماية الحجاز
وجملة القول وخلاصته أن الدولة البريطانية طامعة في ضم جزيرة العرب
إلى الإمبراطورية البريطانية المرنة، وفي القضاء على الإسلام، وعلى سلطان
المسلمين فيها كغيرها من أقطار الأرض، وقد كانت طريقتها في الفتح والاستعمار
خفية، فأصبحت ظاهرة جلية، فهي تصطنع الزعماء ورؤساء الأمم بالمال
والإغواء والإغراء، وتضرب بعضهم ببعض كالسيل يقذف جلمودا بجلمود، بل
مثلها كمثل جنة الأدواء (الميكروبات) في إفساد الأجسام، وجنة [1] الشياطين في
إفساد الأرواح، من حيث لا يشعر أولئك ولا هؤلاء، وإنما العالمون بأمر تلك
الجنة أطباء الأجساد النطاسيون، وبأمر هذه الجنة أطباء الاجتماع السياسيون،
وأكثر المسلمين لا يزالون يعتمدون على أطباء الخرافات الدجالين.
وهي لم تحدث هذه الجلبة والضوضاء في تخويف الشيعة وجهلاء المنتسبين
إلى السنة من قوة الوهابيين، التي هي مع قوة إمام اليمن حصنان منيعان في وجه
طمعها في جزيرة العرب إلا لتهون على العالم الإسلامي ما تبغي من التصريح
بحماية الحجاز، فالشيعة يساعدونها على حد المثل (لا حبا في علي، ولكن بغضا
في معاوية) ، وجهلاء المبتدعة من المنتسبين إلى السنة يوافقونها لاعتقادهم أنها
تحمي لهم القبور والآثار التي صارت معبودات لهم، وهنالك آخرون مستذلون
تحت حمايتها يوافقونها على كل شيء جبنا وجهلا ونفاقا، ووالله أنها لشر على
الجميع وخطر على دينهم ودنياهم كلهم، ووالله إن قضاءها على قوة العرب في
جزيرتهم، وجعل مهد دينهم وقبلته وشعائره تحت حمايتها لقضاء على الإسلام كله
مؤذن بزواله وإذلال جميع أهله، ووالله إنه لا يرجى بعد ذلك أن يبقى لإيران ولا