تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زفر بن الهذيل. هذا في عصور التقليد المحض، ولقد صرنا إلى عصر كثر فيه

استقلال الفهم والرأي مع قلة الإلمام بعلوم الدين، فصارت دعوى كون كل ما في

تلك الكتب الفقهية من دين الله وأحكامه التي خاطب بها عباده , منفرة عن دين الله

تعالى، وسببا للارتداد والإلحاد، فينبغي أن يقال: إنها مستندة إلى الشرع؛

باشتمالها على نصوصه، وجعلها هي الأصل، وببناء الاجتهاد فيها على أصول ثبتت

فيه، ولكن كل اجتهاد يحتمل الخطأ كما يحتمل الصواب.

(خامستها) أن الذي يقرأ الكتابين أو يراجع المسائل فيهما يقف على

مسائل الإجماع، وهي الواجبة قطعا على جميع المسلمين، فلا يسع أحدا منهم ترك

شيء منها إلا بعذر شرعي، والواجب أن تراعى في فريضة الأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر بين المسلمين كافة على الإطلاق، وأما المسائل الخلافية فإنما

يؤمر بالواجب أو المندوب، وينهى عن المحرم أو المكروه منها، من يعلم أن

المأمور أو المنهي موافق له في اعتقاده، سواء كانت الموافقة عن دليل أو عن اتباع

مذهب من المذاهب، أو كان يرجو قبول قوله فيه أو دليله عليه، وقد صرحوا بأنه

ليس للشافعي أن يأمر الحنفي بالوضوء من لمس المرأة، أو أن ينكر عليه الصلاة

إذا لم يتوضأ منه، وما أشبه ذلك , ومنها وهو المراد مما قبله أنها هي الجامعة بين

المسلمين، والمناط للاتفاق والوحدة التي تقتضيها أخوة الإيمان، وهو أهم ما نقصد

إليه من كتابتنا هذه.

(سادستها) أنه يعلم من أدلة المذاهب أن جل الأحاديث التي يحتج بها

أهل الحديث على أهل الرأي وعلى القياسيين من علماء الرواية هي من أحاديث

الآحاد، التي لم تكن مستفيضة في العصر الأول أو نقل عن الصحابة والتابعين

خلاف في موضوعها، فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه

عمل النبي وأصحابه، وليست مما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ

الشاهد فيه الغائب، بل كانت مما يرد كثيرا في استفتاء مستفت عرضت له المسألة

فسأل عنها فأجيب، ولعله لو لم يسأل لكان في سعة من العمل باجتهاده فيها، ولكان

خيرا له وللناس، إذ لو كانت من مهمات الدين التي أراد الله تكليف عباده إياها

لبينها لهم من غير سؤال، فإنه تعالى أعلم بما هو خير لهم، وقد كان النبي -

صلى الله عليه وآله وسلم - يكره كثرة السؤال ونهى عنها؛ لئلا تكون سببا لكثرة

التكاليف؛ فتعجز الأمة عن القيام بها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (دعوني

ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا

نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) رواه الشيخان

من حديث أبي هريرة، ورواه الدارقطني من وجه آخر، وقال: فنزل قوله تعالى:

﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ (المائدة: 101)

الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله فرض فرائض فلا تعتدوها، وحد

حدودا فلا تقربوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من

غير نسيان فلا تبحثوا عنها) رواه الدارقطني عن أبي ثعلبة الخشني مرفوعا حسنه

الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه والنووي في الأربعين، وله شواهد في مسند

البزار ومستدرك الحاكم وصححه وغيرهما.

وفوق كل هذا قول الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي

ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) ، ومن الجهل الفاضح والجناية على

الدين أن نهدم هذه القواعد والأصول القطعية بأقيسة من ظنون الرأي والقياس، وقد

ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجيب كل مستفت بما يناسب حاله،

وأن بعض فتاواه كانت رخصا خاصة أو عامة، ومن ذلك أنه رخص لعقبة بن

عامر ولأبي بردة بن نيار بأن يضحي بالجذع (أو العتود) من المعز، وهو ما

رعى وقوي وأتى عليه حول، وقال الجوهري: وخيره ما بلغ سنة. والحديث

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٧٥