واجتهاد في نيله.
هذا , وإن توقفت في حاجتك أيها السامع للمعنى إلى الفكر في تحصيله، فهل
تشك في أن الشاعر الذي أداه إليك، ونشر بزه لديك، قد تحمل فيه المشقة
الشديدة، وقطع إليه الشقة البعيدة، وأنه لم يصل إلى دره حتى غاص، وأنه لم ينل
المطلوب حتى كابد منه الامتناع والاعتياص؟ ومعلوم أن الشيء إذا علم أنه لم ينل
في أصله إلا بعد التعب، ولم يدرك إلا باحتمال النصب، كان للعلم بذلك من أمره
من الدعاء إلى تعظيمه، وأخذ الناس بتفخيمه، ما يكون لمباشرة الجهد فيه،
وملاقاة الكرب دونه، وإذا عثرت بالهوينا على كنز من الذهب لم تخرجك سهولة
وجوده إلى أن تنسى جملة أنه الذي كد الطالب، وحمل المتاعب، حتى إن لم تكن
فيك طبيعة من الجود تتحكم عليك، ومحبة للثناء تستخرج النفيس من يديك، كان
من أقوى حجج الضن الذي يخامر الإنسان أن تقول: (إن لم يكدني فقد كد
غيري) ، كما يقول الوارث للمال المجموع عفوا إذا ليم على بخله به، وفرط
شحه عليه: إن لم يكن كسبي وكدي، فهو كسب والدي وجدي، ولئن لم ألق فيه
عناء لقد عانى سلفي فيه الشدائد، ولقوا في جمعه الأمرين [33] أفأضيع ما ثمروه،
وأفرق ما جمعوه، وأكون كالهادم لما أنفقت الأعمار في بنائه، والمبيد لما قصرت
الهمم على إنمائه.
وإنك لا تكاد تجد شاعرا يعطيك في المعاني الدقيقة من التسهيل والتقريب،
ورد البعيد الغريب إلى المألوف القريب - ما يعطي البحتري ويبلغ في هذا مبلغه.
فإنه ليروض لك المهر الأرن رياضة الماهر [34] حتى يعنق من تحتك إعناق القارح
المذلل [35] ، وينزع من شماس الصعب الجامح، حتى يلين لك لين المنقاد المطيع،
ثم لا يمكن ادعاء أن جميع شعره في قلة الحاجة إلى الفكر، والغنى عن فضل
النظر، كقوله:
فؤادي منك ملآن ... وسري فيك إعلان
وقوله:
عن أي ثغر تبتسم ...
وهل ثقل على المتوكل قصائده الجياد حتى قل نشاطه لها واعتناؤه بها؛ إلا
لأنه لم يفهم معانيها كما فهم معاني النوع النازل الذي انحط له إليه؟ أتراك تستجيز
أن تقول: إن قوله: منى النفس في أسماء لو تستطيعها [36] من جنس المعقد
الذي لا يحمد، وإن هذه الضعيفة الأسر [37] الواصلة إلى القلوب من غير فكر،
أولى بالحمد وأحق بالفضل.
هذا، والمعقد من الشعر والكلام لم يذم؛ لأنه مما تقع حاجة فيه إلى الفكر
على الجملة، بل لأن صاحبه يعثر فكرك في متصرفه [38] ، ويشيك طريقك إلى
المعنى [39] ، ويوعر مذهبك نحوه، بل ربما قسم فكرك، وشعب ظنك [40] حتى لا
تدري من أين تتوصل وكيف تطلب.
وأما الملخص فيفتح لفكرتك الطريق المستوي ويمهده، وإن كان فيه تعاطف
أقام عليه المنار، وأوقد فيه الأنوار، حتى تسلكه سلوك المتبين لوجهته، وتقطعه
قطع الواثق بالنجح في طيته [41] ، فترد الشريعة [42] زرقاء، والروضة غناء [43]
فتنال الري، وتقطف الزهر الجني، [44] وهل شيء أحلى من الفكرة إذا استمرت
وصادفت نهجا مستقيما، ومذهبا قويا، وطريقة تنقاد، وتبينت لها الغاية [45] فيما
ترتاد، فقد قيل: قرة العين وسعة الصدر، وروح القلب وطيب النفس، من أربعة
أمور: الاستبانة للحجة، والأنس بالأحبة، والثقة بالعدة، والمعاينة للغاية. وقال
الجاحظ في أثناء فصل يذكر فيه ما في الفكر والنظر من الفضيلة: (وأين تقع لذة
البهيمة بالعلوفة [46] ، ولذة السبع بلطع الدم [47] ، وأكل اللحم؛ من سرور الظفر
بالأعداء، ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان قرعه، وبعد فإذا أعدت الحلبات [48] ؛
لجري الجياد، ونصبت الأهداف ليعرف فضل الرماة في الأبعاد والسداد، فرهان
العقول التي تستبق، ونضالها الذي تمتحن قواها في تعاطيه هو الفكر والروية
والقياس والاستنباط) .
ولن يبعد المدى في ذلك، ولا يدق المرمى إلا بما تقدم من تقرير الشبه بين
الأشياء المختلفة، فإن الأشياء المشتركة في الجنس، المتفقة في النوع، تستغني