فإن الذي حرر من ميزان الشعراني إنما هو إلى باب ما يحرم من النكاح، وقد ذكر
ذلك الشعراني نفسه في ص8 من الجزء الأول من الميزان، وكتاب الأقضية واقع
بعد ذلك بسبعة عشر كتابا، فكتاب الأقضية في ميزان الشعراني لم يحرر حتى
يكون ما فيه مستندا صحيحا. وقال صاحب الإشاعة في أشراط الساعة: إن
الشعراني لم يحرر ميزانه في حياته، وإنه قال: لا أحل لأحد أن يروي هذا الكتاب
عني حتى نعرضه على علماء المسلمين ويجيزوا ما فيه. انتهى كلامه، والمعروف
في كتب الحنابلة أن القضاء من فروض الكفايات. راجع ص258 من الجزء الرابع
من المنتهى، وص968 من الإقناع، وص580 من المقنع، وقد ذكر محشيه عند
قوله: (وهو فرض كفاية) : إن ذلك هو المذهب. وذكر قولا عن الإمام أحمد بأن
القضاء سنة. فإذا لم يكن القضاء فرض كفاية عند الإمام أحمد فهو سنة عنده
والمسنون من الخطط الشرعية، فما زعمه الشيخ علي من إنكار أن القضاء وظيفة
شرعية وخطة دينية باطل ومصادم لآيات الكتاب العزيز، قال الله تعالى: {فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما
قضيت ويسلموا تسليما} (النساء: 65) ، وقال تعالى: {فاحكم بينهم بما أنزل
الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق} (المائدة: 48)
، وقال تعالى:
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (النساء: 105) ،
وقال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين
الناس أن تحكموا بالعدل} (النساء: 58) .
(7)
ومن حيث إنه يزعم أن حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده - رضي
الله عنهم - كانت لا دينية [1] فقد قال في صفحة 90: (طبيعي ومعقول لي درجة
البداهة ألا توجد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - زعامة دينية، وأما الذي يمكن
أن يتصور وجوده فإنما هو نوع من الزعامة جديد ليس متصلا بالرسالة ولا قائما
على الدين، هو إذا نوع لا ديني) .
وهذه جرأة لا دينية، فإن الطبيعي والمعقول عند المسلمين إلى درجة البداهة
أن زعامة أبي بكر - رضي الله عنه - كانت دينية، يعرف ذلك المسلمون سلفهم
وخلفهم جيلا بعد جيل، ولقد كانت زعامته على أساس (أنه لا بد لهذا الدين ممن
يقوم به) ، وقد انعقد على ذلك إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كما
سبق.
ودفاع الشيخ علي بأن الذي يقصده من أن زعامة أبي بكر لا دينية أنها لا
تستند إلى وحي ولا إلى رسالة مضحك موقع في الأسف، فإن أحدا لا يتوهم أن أبا
بكر - رضي الله عنه - كان نبيا يوحى إليه، حتى يعنى الشيخ علي بدفع هذا
التوهم.
لقد بايع أبا بكر - رضي الله عنه - جماهير الصحابة من أنصار ومهاجرين
على أنه القائم بأمر الدين في هذه الأمة بعد نبيها محمد - صلى الله عليه وسلم -
فقام بالأمر خير قيام، ومثله في هذا بقية الخلفاء الراشدين.
وإن ما وصم به الشيخ علي أبا بكر - رضي الله عنه - من أن حكومته لا
دينية لم يقدم على مثله أحد من المسلمين , فالله حسبه.
ولكن الذي يطعن في مقام النبوة يسهل عليه كثيرا أن يطعن في مقام أبي بكر
وإخوانه الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين.
ومن حيث إنه - علاوة على ما ذكر - يقف الشيخ علي في ص 34 و35 من
المسلمين موقف الطاعن على دليلهم الديني، والخارج على إجماعهم المتواتر الذي
انعقد على شكل حكومتهم الدينية، أو موقف المجيز للمسلمين إقامة حكومة بلشفية،
وكيف ذلك والدين الإسلامي في جملته وتفصيله يحارب البلشفية؛ لأن البلشفية فتنة
في الأرض وفساد كبير. لقد وضع الدين الإسلامي للمواريث أحكاما يلجأ إليها
أحيانا غير المسلمين لما فيها من الرحمة والعدل، وأوجب على المسلمين مقادير من
الصدقات، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وأمر بإقامة الحكومة الدينية التي
تحفظ لكل ذي حق حقه، ولكل عامل ثمرة عمله، وجعل الدماء والأعراض