تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

80 - وهذه هي الطريقة الخطيرة التي خرج إليها، وهي أنه جرد النبي - صلى

الله عليه وسلم - من الحكم، وقال: (رسالة لا حكم، ودين لا دولة) .

وما زعمه الشيخ علي مصادم لصريح القرآن الكريم، فقد قال الله تعالى:

﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ (النساء: 105) ،

وقال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ (النحل: 89) ، وقال

تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ (النحل: 44) ، وقال

تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله

واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} (النساء: 59) ، ومعلوم أن الرد إلى

الله بالرجوع إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول بالرجوع إلى سنته صلى الله

عليه وسلم، وقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت

لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) ، والدين عند المسلمين ما جاء به محمد - صلى

الله عليه وسلم - من عند الله في معاملة الخالق والمخلوق.

(4)

ومن حيث إنه زعم أن مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بلاغا

للشريعة مجردا عن الحكم والتنفيذ، فقد قال الشيخ علي في ص71: (ظواهر

القرآن المجيد تؤيد القول: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له شأن في

الملك السياسي، وآياته متضافرة على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ

المجرد من كل معاني السلطان) .

ثم عاد فأكد ذلك فقال في ص73: (القرآن كما رأيت صريح في أن

محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله تعالى

إلى الناس، وأنه لم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس

بما جاء به، ولا أن يحملهم عليه) .

ولو كان الأمر كما زعم هو لكان ذلك رفضا لجميع آيات الأحكام الكثيرة في

القرآن الكريم. ودون ذلك خرط القتاد.

وقد قال الشيخ علي في دفاعه: (إنه قرر في مكان آخر من الكتاب بصراحة

لا مواربة فيها أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - سلطانا عاما، وأنه ناضل في

سبيل الدعوة بلسانه وسنانه) .

وهذا دفاع لا يجدي؛ إذ لو كان معنى ذلك الذي قرره في ص66 و70 كما

أشار إليه أن عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السماوي يتجاوز حد البلاغ

المجرد عن كل معاني السلطان، لما كان سائغا أن يقول بعد ذلك في صفحة 71:

إن آيات الكتاب متضافرة، على أن عمله السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد

من كل معاني السلطان. وأن يقول بعد ذلك في صفحة 73: إن القرآن صريح في

أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله تعالى إلى

الناس، ولم يكلف شيئا غير ذلك البلاغ، وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به،

ولا أن يحملهم عليه.

والواقع أن السلطان الذي أثبته إنما هو السلطان الروحي كما صرح به في

مذكرة دفاعه، حيث قال فيها: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستولي

على كل ذلك السلطان، لا من طريق القوة المادية وإخضاع الجسم كما هو شأن

الملوك والحكام، ولكن من طريق الإيمان به إيمانا قلبيا والخضوع له خضوعا

روحيا) فكان دفاعه إثباتا للتهمة لا نفيا لها.

على أنه قد نسب في ص65 و66 السلطان إلى عوامل أخرى من نحو: الكمال

الخلقي، والتميز الاجتماعي، لا إلى وحي الله وآيات كتابه الكريم، كما أنه جعل

الجهاد في موضع آخر من كتابه وسيلة كان على النبي - صلى الله عليه وسلم -

أن يلجأ إليها لتأييد الدعوة، ولم ينسبه إلى وحي الله وأمره.

وكلام الشيخ علي مخالف لصريح كتاب الله تعالى الذي يرد عليه زعمه،

ويثبت أن مهمته - صلى الله عليه وسلم - تجاوزت البلاغ إلى غيره من الحكم

والتنفيذ، فقد قال الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما

أراك الله} (النساء: 105) ، وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا

تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} (المائدة: 49) ،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٤٦