وقال في ص 85: (إن كل ما جاء به الإسلام من عقائد ومعاملات وآداب
وعقوبات فإنما هو شرع ديني خالص لله تعالى، ولمصلحة البشر الدينية لا غير.
وسيان بعد ذلك أن تتضح لنا تلك المصالح الدينية أم تخفى علينا. وسيان أن يكون
منها للبشر مصلحة مدنية أم لا. فذلك ما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر
إليه الرسول) .
الدين الإسلامي بإجماع المسلمين ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من
عقائد وعبادات ومعاملات لإصلاح أمور الدنيا والآخرة.
وإن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كلاهما مشتمل على
أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة في أمور الآخرة.
والشيخ علي في ص 78 و79 يزعم أن أمور الدنيا قد تركها الله ورسوله -
صلى الله عليه وسلم - تتحكم فيها عواطف الناس وشهواتهم. وفي ص 85 زعم
أن ما جاء به الإسلام إنما هو المصلحة الأخروية لا غير، وأما المصلحة المدنية أو
المصلحة الدنيوية، فذلك مما لا ينظر الشرع السماوي إليه، ولا ينظر إليه
الرسول.
وواضح من كلامه أن الشريعة الإسلامية عنده شريعة روحية محضة جاءت
لتنظيم العلاقة بين الإنسان وربه فقط. أما ما بين الإنسان من المعاملات الدنيوية
وتدبير الشؤون العامة؛ فلا شأن للشريعة به وليس من مقاصدها.
وهل في استطاعة الشيخ علي أن يشطر الدين الإسلامي شطرين، ويلغي منه
شطر الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا، ويضرب بآيات الكتاب العزيز وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم عرض الحائط؟ وقد قال الشيخ علي في دفاعه: إنه لم يقل
ذلك مطلقا لا في الكتاب ولا في غير الكتاب، ولا قال قولا يشبهه أو يدانيه.
وقد علمت أن ذلك واضح من كلامه الذي نقلناه لك , وقد ذكر مثله في مذكرة دفاعه.
وقال في دفاعه أيضا: (إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء بقواعد وآداب
وشرائع عامة، وكان فيها ما يمس إلى حد كبير أكثر مظاهر الحياة والأمم، فكان
فيها بعض أنظمة للعقوبات وللجيش والجهاد، وللبيع والمداينة والرهن، ولآداب
الجلوس والمشي والحديث) . إلخ ص 84.
غير أنه قال عقب ذلك ص 84 أيضا: ولكنك إذا تأملت وجدت أن كل ما
شرعه الإسلام وأخذ به النبي المسلمين من أنظمة وقواعد وآداب لم يكن في
شيء كثير ولا قليل من أساليب الحكم ... إلى آخره.
فآخر كلامه في الصحفة المذكورة يهدم كلامه، ولا ينفعه ركونه إلى حديث:
(لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما متع الكافر منها بشربة ماء) .
وحديث: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) ، لأن الحديث الأول ضعيف لا يصلح حجة ,
وهو على فرض صحته وارد في معرض التزهيد في الدنيا وعدم الإفراط في طلبها،
وليس معناه كما يزعم الشيخ علي أن تترك الناس فوضى تتحكم فيهم العواطف
والشهوات ليس لهم حدود يقفون عندها، ولا معالم ينتهون إليها.
ولو لم يكن معناه كما ذكرنا؛ لهدم آيات الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا، وصادم
آيات كثيرة كقوله تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من
الدنيا} (القصص: 77) ، وقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج
لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة} (الأعراف: 32) ، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل
الله لكم ولا تعتدوا} (المائدة: 87) .
ولأن الحديث الثاني وارد في تأبير النخل وتلقيحه، ويجري فيما يشبه ذلك
من شؤون الزراعة وغيرها من الأمور التي لم تجئ الشريعة بتعليمها، وإنما
تجيء لبيان أحكامها من حل وحرمة، وصحة وفساد ونحو ذلك، يعلم ذلك من له
صلة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وهل يجترئ الشيخ علي أن يسلخ الأحكام المتعلقة بأمور الدنيا من الدين،
ويترك الناس لأهوائهم ويقول: (إن ذلك من الأغراض الدنيوية التي أنكر النبي صلى
الله عليه وسلم أن يكون له فيها حكم وتدبير) ، ويدعي على النبي صلى الله