تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعنون بتاريخ حكيمنا السيد جمال الدين، لما عنيت بالذهاب إلى محطة مصر

للاعتذار له بعد أن رأيت ما في كتابه من الشذوذ الأدبي والتهديد والوعيد اللذين لا

يبالي بهما مثلي ممن لا يخاف ولا يرجو غير الله تعالى، ولا يقابل أصحاب التهديد

والوعيد إلا بالإعراض.

ولست أبالي من رماني بريبة ... إذا كنت عند الله غير مريب

(ثامنا) إنني من أشد الناس مقتا للمداهنة وتكلف المدح الكاذب والإطراء،

كما أنني من فضل الله علي من أقلهم مبالاة بالمدح والذم الشعريين، حتى إنني لا

أحفل بقراءة ذلك إذا قيل لي: إنه نشر في جريدة كذا مثلا، ولكنني أبحث عن

عيوبي بعرض عملي على أهل النقد، وبسؤال أهل الصدق والإخلاص عما

ينكرونه على أو مني؛ لأستعين بذلك على تربية نفسي، وإتقان عملي.

وإنني أعلم أن كراهتي للتملق والنفاق أسخطت على كثيرا من الناس، وأن

المداراة مطلوبة شرعا وعقلا، ولكن من الناس من لا يرضيهم إلا الكذب وقول

الزور، ويعدون من يتحامى الإطراء بالباطل مقصرا في حقهم أو مهينا لهم أو

متكبرا عليهم، وأمثال هؤلاء لا حيلة لي في إرضاءهم، على أنني أبرأ إلى الله

تعالى أن أتعمد التحقير أو التقصير في حق أحد منهم أو من غيرهم.

ومن دون هذا الصنف صنف آخر خير منه، وأنا عاجز عن إرضاء أفراده

حتى المخلصين في المودة منهم، وأعني بهم أهل المساومة والمشاحة في المعاشرة

للربح أو المساواة: زيارة بزيارة، ودعوة بدعوة، وتهنئة بتهنئة، وتعزية بتعزية،

وكتاب بكتاب، كما قال الحريري:

وكلت للخل كما كال لي ... علي وفاء الكيل أو بخسه

فأنا لا أعد هذه الطريقة من الخلة ولا الصداقة الخالصة، كما قلت في

المقصورة:

من كال للخل كما كال له ... فتاجر ليس خليلا يصطفى

فلا ألتزم تهنئة أصدقائي في الأعياد بزيارة قريب الديار ومكاتبة بعيدها، ولا

أطالبهم بذلك، ولا ألومهم على تركه، وإنما أزور وأكتب عند سنوح الفرص،

وأبني الصداقة على أساس الصدق والإخلاص وترك التكلف، وعدم الظنة، فلا

أتهم أحدا بتعمد التقصير في حقي، كما أنني لا أتعمد التقصير في حق أحد، وأكره

أن يتهمني بذلك؛ لأنه ظلم، ولا أعاشر أحدا لأجل أن أنتفع منه نفعا ماديا،

ولكنني قد أزور من أرجو أن أستفيد من رأيه ومذاكرته، وإن لم يكن صديقا لي.

وجملة القول أنني افترضت هذا التثريب والتأنيب من أحد إخواننا فضلاء

الهند (على قبول عذر من اعتذر عنه إن وافقهم عليه) لأبين حقيقة حالي لقراء

المنار البعيد منهم والقريب، فإنني أعلم أن بعض من لم يعرف هذه الحقيقة ينكرون

علي ما لا أنكره من التقصير في مكاتبتهم أو زيارتهم، أو قضاء حاجتهم، وإنما

أنكر تعمد ذلك، وأعترف بالعجز، فما يطلب مني هو في الغالب فوق استطاعتي،

وكله يبنى على الأساس الذي بنى عليه هذا الوجيه الهندي: أي الشهرة بالعلم

وخدمة الإسلام، حتى إن الذين يطلبون مني المنار وتفسير المنار وغيره بنصف

ثمن أو بغير ثمن، وكذا الذين يطلبون المساعدات المالية يقولون ويكتبون إلي بأنها

واجبة علي لما ذكر، ولكن لم يساعدني أحد من المسلمين مساعدة مالية أستعين بها

على خدمة الإسلام والمسلمين بمثل ما ذكر، ولا أنا صاحب عقار أنفق منه، بل لا

أملك دارا أقيم بها، بل أكثر مشتركي المنار يمطلون بحقه مطلا، ومنهم من

يهضمه هضما، وأنا أعلم أن هذا البيان غير معتاد ولا مألوف في العرف العام،

وقد ينتقده بعض الناس، ولكن أهل الصدق والإخلاص يعلمون أنه حق صادر عن

صدق وإخلاص، وإني ألخص عذري بهذه الكلمة:

إنني قد ابتليت بشهرة هي أكبر مني، ولم أوت من العلم ولا من المال ما

يسهل علي القيام بأعبائها، وأنا أتحمل أثقالها بالرغم مني، كما قال لي أحد كبار

ضباط الإنكليز عندما رآني متبرما من تضييقهم علي في الإذن بالسفر إلى سورية

بعد الحرب الكبرى: إن الشهرة الكبيرة تلزمها أثقال كبيرة لا بد من الصبر عليها،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٢٩