الوفاء ومقابلة الجميل بمثله بعيد عن اللياقة وعن الصواب جميعا.
إن جمعية ندوة العلماء دعتني إلى رياسة مؤتمرها السنوي رجاء أن يكون ذلك
سببا لإقبال الجمهور على المؤتمر، وإنني أجبت دعوتها في وقت كنت مشتغلا فيه
بتأسيس مدرسة الدعوة والإرشاد التي أعتقد أنها أفضل عمل وضع لخدمة الإسلام في
هذا العصر , ووافقني على اعتقادي هذا كل من وقف على كنهه من خواص مسلمي
العرب والعجم حتى في الهند والآستانة، كما أنني كنت عازما على الزواج، تركت
هذا وذاك إجابة لدعوة الندوة، وسافرت على نفقة نفسي لا على نفقتها كما هو المعتاد
في مثل هذه الدعوة وقد احتفى بي المسلمون في كل بلد زرته كما قال وفوق ما قال،
وما كان لذلك من سبب إلا اعتقادهم أنني أخدم الإسلام والمسلمين لوجه الله
تعالى، وكنت أعلنت أنني لا أقبل من أحد مساعدة ما ولو باسم الهدية
المسنونة، حتى إن آنية الشاي الفضية التي صاغتها الندوة تذكارا لزيارتي، ونقشت
عليها اسمها واسمي لم أقبل أن آخذها منها، ولكنها أرسلتها إلى صديقي المحسن الكبير
الشيخ قاسم إبراهيم الشهير في بمبي، وهو أرسلها إلى مصر، احتفوا بي بداعية
الإخلاص كما أجبت دعوة ندوتهم بمحض الإخلاص، وأنفقت من المال والوقت في
هذه السبيل فوق ما أنفقت هي في الحفاوة بي، وهي جماعة وأنا فرد، وإنما سدى
ذلك ولحمته الإخلاص، فلا يليق بأحد منا أن يحيط هذا الإخلاص، ولا أن يشوهه
بالمن والأذى، ولا أن يوجب لنفسه على الآخر به حقا ويهدده بالتشهير العلني
والإهانة على التقصير فيه.
(خامسا) إنني لست من عشاق التعظيم والحفاوة، ولا من المفتونين
بالشهرة؛ ولذلك لم أكتب، ولم أوعز إلى أحد من إخواني أو تلاميذي أن ينشر في
الجرائد أخبار تلك الاحتفالات العظيمة التي كنت أفر منها، حتى لم أكن أخبر من
تلقاء نفسي بلدة من البلاد بوقت وصولي إليها.
(سادسا) إنني على هذا وذاك ما قصرت، ولن أقصر - إن شاء الله تعالى -
في الشكر والثناء الخالص على مسلمي الهند عامة، وعلى الذين تفضلوا بإكرامي
منهم خاصة؛ لإخلاصهم في تلك الحفاوة وفي عامة شؤونهم الملية، وغيرتهم
الدينية، ومازلت أفضل مسلمي الهند على سائر الشعوب الإسلامية في شعور
الجامعة الإسلامية، وبذل النفس والنفيس في سبيله، وأعترف بأنه لا يباريهم في
هذا غيرهم؛ على أن ضيافتي وتكريمي من قومي العرب في بمبي ومسقط
والكويت والعراق كانت أكبر مظاهر الكرم وبمحض الإخلاص أيضا، وهل
أستطيع أن أكافئ جميع هؤلاء الناس بمثل ما يطالبني به هذا الفاضل
الهندي؟ .
(سابعا) إنني لما ذكرت من رأيي في مسلمي الهند أراني أشد ارتياحا
لزيارة فضلائهم لي من زيارة غيرهم، وقد زارني أعضاء الوفد الذي أرسلته
جمعية الخلافة إلى الحجاز قبل موسم الحج الأخير، في صبيحة الليلة التي وصلوا
فيها إلى مصر عائدين من جدة - ولكن بغير توسل بأحد، ولا بإرسال مكتوبات
ورسل، ولا بطلب تحديد موعد كتابي معين - وكنت في ذلك الوقت مشغولا بالنقلة
من دار إلى دار: نقلة المتاع والماعون والمكتبة والمطبعة جميعا، ولا يوجد عندي
من يقوم مقامي في الأمر بوضع كل شيء في موضعه من الدار الجديدة، فكنت
أترك الناقلين يلقون ما ينقلون بعضه فوق بعض، وأشغل الزمن الطويل مع أعضاء
الوفد، فتلف بذلك بعض الأثاث والماعون، وفقد بعض، وبقيت كتبي الخاصة
وأوراقي ملقاة على الأرض أكثر من أسبوعين لا يمكن تمييز بعضها من بعض،
بل عرضت نفسي لنزلة صدرية؛ بالذهاب معهم إلى أهرام الجيزة مساء بالسيارة
وأنا في ملابس خفيفة لا تقي تأثير تيار الهواء. ولما سافروا ودعتهم في محطة
السكة الحديدية، وأعترف مع هذا بأنني مقصر، إذ لم أقم بحق ضيافتهم؛ لأن
الدار لم تكن صالحة لذلك.
وليعلم الأخ الكريم محمد عبد الغفار أنه لو لم يكن من مسلمي الهند وممن