تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

تقريظ وانتقاد

(التاريخ الأثري من القرآن الشريف)

كتيب ألفه حديثا الكاتب الأديب مصطفى أفندي الدمياطي المشهور فضله بما له

من الآثار القلمية في الجرائد، ويدل اسمه على أنه جمع ما جاء في القرآن الكريم

من قصص الأنبياء وأحوال الأمم، وبينها بما لا يخرج عن معنى القرآن، وذكر في

فاتحة الكتاب أن الذي حمله على هذا التأليف هو مساعدة أهل النهضة العلمية

الحديثة على التربية الدينية، فقد قال فيها بعد تعظيم شأن الدين ما نصه: (فضلا

عن ذلك، فقد قص المولى سبحانه وتعالى قصصا شتى في الكتاب العزيز تكفي

لتربية العقول وتأصيل الاعتقاد به وبصفاته الكمالية، فكم في قصص الأنبياء عليهم

الصلاة والسلام من مرشد إلى حسن أخلاقهم وقوة جأشهم، وسعيهم في هداية الخلق

وتعليمهم أساليب التوحيد بما يحث على التمسك بالفضائل، ويحض على الكمالات

ذلك هو السبب الذي حملني على جمع هذا الكتاب بمثل هذا الأسلوب النافع، لعلي

أقوم ببعض الواجب على نحو وطني العزيز) اه

وهذا الغرض كما ترى من أشرف الأغراض لو وفاه الكتاب حقه، وأذكر أنني

ما قرأت القرآن من بضع سنين إلا وتمنيت لو كان له تفسير يجمع الآيات المنزلة

في كل مقصد على حدتها ويفسرها؛ فيكون للتوحيد والعقائد باب، وللأخلاق

والمواعظ باب، وللأحكام باب، وللقصص باب، ويذكر في كل قصة جميع ما جاء

فيها، ويبين الحكمة في تكرار المكرر إلخ ما لا محل هنا لشرحه، ولقد كنت عندما

تناولت هذا المؤلف الجديد حسبت أنه وفى ببعض مطلبي، ولما تصفحته ألفيته على

خلاف الحسبان، بل وجدت أن اسمه لم ينطبق على مسماه، وأنه ما وفى بالغرض

الذي أشار إليه في فاتحته، فإن الآيات التي أوردها لم يفسرها ويبين بعض ما فيها

من الحكم ووجوه الاعتبار، إلا أنه فسر بعض المفردات في ذيول الصحائف، وما

كان في الكتاب من كلام المؤلف فأكثره مأخوذ من الإسرائيليات وكتب القصص التي

لا يعول عليها عند المسلمين، وقد عاب العلماء المحققون كتب التفسير التي تشتمل

على هذه القصص، وحظروا قراءتها وكتابتها، وقد حوى هذا الكتاب على

اختصاره جميع ضروب الخطأ التي في تلك الكتب المطولة، فمن ذلك: ... ...

(1) تحديده تاريخ الخليقة والأنبياء، وزعمه تبعا للإسرائيليات أن تاريخ

الخليقة يبتدئ من سنة 4963 قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وهذا الزعم يكذبه

القرآن بمثل قوله: ﴿ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم﴾ (الكهف: 51) ويكذبه علم الجيولوجيا الذي يدل على أن العالم وجد منذ ملايين

كثيرة من السنين، ويكذبه علم الآثار القديمة أيضا، ومنه:

(2) ما ينافي العقيدة الدينية، كقوله في الصفحة 48: (وأمات الله أولاد

أيوب عن آخرهم، وابتلاه بالمرض، إلى أن انتثر لحمه، وامتلأ جسده دودا،

وجفاه الناس، وأخرجه أهل القرية إلى الخلاء، ولم يطق أحد شم ريحه إلا زوجته

فصبر وشكر) اه

والذي عليه المسلمون، لا سيما أهل السنة منهم، أن الله تعالى حفظ الأنبياء

من العاهات المنفرة للطباع؛ لأنها منافية لحكمة التبليغ، وقالوا: (إن هذا من

أصول الإيمان الواجب اعتقادها وتكذيب من خالفها) ومنه:

(3) قوله في صفحة 78: (وعلم يونس بالأمر، فذهب مغاضبا ربه)

والصواب أنه غاضب قومه، لا ربه، ومنه:

(4) إيراد ما لا يصح في السنة كحديث إن هذا أخي ووصيي وخليفتي

فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، يعني عليا رضي الله عنه، انظر صفحة 92.

وفي الكتاب خطأ وغلط وراء ما ذكرنا، وغير الأخبار التاريخية التي لا دليل

عليها من القرآن ولا من السنة، وهذه الأخبار كثيرة ربما تناهز المائة، كقوله في

صفحة 31 في إسماعيل عليه السلام: (تزوج بامرأة من جرهم، وأولادها

أولاده الذين كانت منهم العرب) والصواب أن العرب أمة قديمة كانت قبل

إسماعيل، ويقال لأولاد إسماعيل منهم العرب المستعربة.

وكإدخاله في آية قرآنية ما ليس منها حيث كتب في صفحة 76 ما صورته

(وأذن سليمان بإحضار العرش، فلما رآه مستقرا عنده قال: هذا من فضل ربي

ليبلوني أأشكر إذ آتاني به قبل أن يرتد إلي طرفي) اه

فما بعد لفظ (أأشكر) ليس من الآية، وكأنه كان يكتب الآيات من كتاب

تفسير امتزج عند هذه الآية فيه الأصل بالتفسير، أو نسي أن يضع شبه الضمتين

عند انتهاء كلمات القرآن، وكإيهامه بأن الصرح هو الذي اشتبه على ملكة سبأ

بعرشها، حيث قال بعد العبارة المذكورة آنفا في أول صفحة 77 في ابتداء كلام ما

نصه: وأمر سليمان ببناء صرح للملكة، فبنوه من قوارير {فلما جاءت قيل أهكذا

عرشك قالت كأنه هو} (النمل: 42) ثم قال بعد هذا في ابتداء كلام: (وأذن

لها بدخول الصرح) إلخ، وكان ينبغي أن يقدم آية (فلما جاءت..) على قوله:

وأمر سليمان ببناء صرح إلخ لينتفي اللبس من الكلام.

هذا وإننا لم نقرأ الكتاب كله بالتدقيق، ولم نحاول إحصاء كل ما ينتقد فيه،

وإنما توسعنا بعض التوسع في انتقاده لأمرين، أحدهما: أن مثل هذه الكتب التي

من شأنها أن تقرأ وينتفع بها إذا كانت نافعة يجب أن تنقح وتمحص، وآلة

التمحيص هي الانتقاد دون سواه، ثانيهما: أننا نعلم أن حضرة المؤلف من الرجال

المهذبين الذين يقدرون الانتقاد حق قدره، فيكون باعثا لهم على زيادة الكمال،

والمنتظر من عاقل مثله أن يعد انتقادنا من العناية بكتابه، وأن يكون باعثا له على

تهذيبه وتشذيبه، وما يتذكر إلا أولو الألباب.

***

قصيدة من مديح الأستاذ صفوة المحققين ونابغة اللغويين، الشيخ محمد محمود

التركزي الشنقيطي من نظم الأديب محمود أفندي خاطر أحد موظفي نظارة المالية:

مثلت بالعرب جدا ... ونلت بالجد جدا

وما عرفناك إلا ... إمام علم مبدى

وما سمعنا لسانا ... يقول قولك قصدا

وما رأينا صحاحا ... بغير إذنك تهدى

ولا قرأنا عبابا ... يمد مثلك مدا

وأن نعمة ربي ... لصفوة الخلق تسدى

وقد سرى لك منها ... جمع به صرت فردا

لا في العراق نظير ... تراه يوما تبدى

ولا ببغداد، كلا ... يلتمس الناس ندا

وليس يأوي ببصرى ... وليس يسكن نجدا

أهل الحجاز جميعا ... فاهوا بحمدك جدا

أمير مكة فخرا ... قد عد علمك مجدا

أيام لم يجدن فيها ... لك في العلم بدا

أيام أبرزت علما ... على ذوي الجهل ردا

في كل قطر ومصر ... يفوح مدحك ندا

بالحق ما أنت إلا ... جسم من العلم يندى

أرسل علومك تبغي ... من الأماجد جندا

يأتوك طلاب علم ... ولن يخافوا مردا

ومن تصدى لعلم ... أفنى الليالي كدا

يستسهل الصعب حتى ... ينال بالسعي سعدا

وشيخنا التركزي قد ... مهد للعلم مهدا

فلا يصغر خلا ... ولا يصعر خدا

ولا يحقر قولا ... ولا يصدن صدا

فما علمنا عليه ... شيئا لذلك ضدا

وقد سردنا قليلا ... من مكرماتك سردا

أما الكثير فشيء ... كالنمل والرمل عدا

وأنت في البر بحر ... لم نستبن لك حدا

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ٤١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ٤١٠