تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مؤاخذة العلماء والرد على جريدة طرابلس

كم أداوي القلب قلت حيلتي ... كلما دويت جرحا سال جرح

ذكرنا في العدد الماضي أننا رأينا في جريدة طرابلس مقالة - كليالي الشتاء -

أي: طويلة مظلمة باردة، تعتذر فيها عن العلماء الذين أهملوا وظائفهم في

إرشاد الأمة وتزعم أنهم غير مؤاخذين بترك الواجب عليهم لأوهام وتخيلات، ذكرتها

ولولا خشية انخداع الناس بقولها وتوهم صاحبها أنه جاء بحق مقنع؛ لما تعرضنا للرد

عليها ولكن هذه المسألة التي تنفيها هي ونثبتها نحن (مؤاخذة العلماء بترك إرشاد

الأمة الذي هو مناط سعادتها بالاتفاق حتى من جريدة طرابلس) - هي القطب الذي

يدور عليه ما نرجوه من إصلاح حال الأمة؛ ولذلك نرى من الواجب أن نزيح عنها

شبه المشتبهين، ونزيل تمويه المموهين {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي

عن بينة وإن الله لسميع عليم} (الأنفال: 42) ؛ أي، ليظهر للمرتاب - في كونه

مؤاخذا- أنه مؤاخذ، فيكون هلاكه بترك الواجب إذا هو تركه عن بينة، وحياته

بالقيام به إذا هو فعل عن بينة، والله سميع لأقوالنا عليم بنياتنا؛ فيجازينا عليها.

أما كون المقالة باردة فقد عنينا به ما فيها من التنديد بأحد الكتاب ونبزه

بالألقاب. وقد انبعق قلم كاتب المقالة في هذا، ونضح إناؤه بما لعله يعيبه على غيره

إذا هو صدر منه، وعهدنا بأناته أنه لا ينطق بمثل ذلك الكلام إلا إذا غلب على

أمره بانفعال شخصي قوي، أما المصالح العامة فإنه فيها هين وكلامه لين. وأدب

الشرع في الوعظ معروف، وهو الشدة في الكلام العام الذي يوجه إلى صنف من

الناس بحسب درجة انحرافهم، حتى جوز لعن الفاسقين ولم يجوز لعن كافر

معين بالشخص أو الوصف الذي يتعين به، ويا ليت شعري هل يقول: إن رمي

أحد الناس بالغلظة والفظاظة والسفه والحمق - يكون من الرقة واللطافة

والحلم والعقل التي ينضح بها إناء الإنسان الكامل؟ !

وأما كونها مظلمة فلما فيها من العسلطة، واشتباه الحق بالباطل وتمويه

الصواب بالخطأ الذي يرمي الأمة في هوة اليأس والقنوط؛ بزعمها أن العلماء

سقط عنهم وجوب إرشاد الأمة مع الاعتراف بأن نهوض الأمة منوط بإرشادهم،

وأن التبعة ينبغي أن تلقى على الأغنياء، وعللت ذلك بقولها: (إن المطالب أولا

وبالذات بالإنشاءات العمومية التي بها نجاح الأمة هم أهل الثروة وذوي (كذا)

الغنى) ثم اعترفت: (بأن أرباب الثروة ليسوا كلهم عارفين ثمرات تلك

المشروعات العمومية) وأنهم يحتاجون إلى موقظ ينبههم من هذا السبات، وأنه (ليس

ثمة من موقظ من ذلك الإيقاظ ومنبه ذلك التنبيه وباعث ذلك البعث - إلا قيام العلماء

نافذي الكلمة؛ يعظون المواعظ الحسنة ويخطبون الخطب الطنانة ويتكبدون مشاق

الأسفار وينشرون في الجرائد خطاباتهم دون إسرار) وأنت ترى أن هذا يرجع

باللائمة على العلماء أولا وبالذات خلافا لقوله الأول؛ لأن الأغنياء لا ينبعثون

إلى العمل إلا بإرشادهم كما قال فهم المطالبون بالإصلاح قبل كل أحد.

إن صاحب العلم الإجمالي عندما يتكلم في مسألة غير محيط بأطرافها، وعلى

غير بينة من جميع دخائلها وعوارضها ربما يحتج على النفي بما يقتضي الإثبات،

وعلى الإثبات بما يقتضي النفي، ويقر بالشيء في معرض الإنكار وينكره في معرض

الإقرار؛ فتأتي في تضاعيف كلامه القضايا الصحيحة في غير مواضعها، فلا يكاد

يستفاد منها، ولكن عندما تقوم الحجة عليه بنفي شيء أو إثباته - يتنصل ويخطئ

صاحب الحجة مستدلا بأنه قال كذا في مكان كذا! ومن هذا القبيل ذكرت جريدة

طرابلس أن المطالب بنجاح الأمة - أو وبالذات الأغنياء - فإنه لا معنى لذكره في

مقام رقع التبعة عن عواتق العلماء إلا إذا كان صحيحا على إطلاقه، لكنه ليس

بصحيح؛ لأن الأغنياء يحتاجون قبل ذلك إلى من يعرفهم بمنافع الإنشاءات العمومية

كالمدارس والمصانع، وقد اعترفت الجريدة بذلك كما علمت، وأهم من هذا حاجتهم

قبل ذلك إلى تهذيب يجمع كلمتهم وينفخ فيهم روح الثقة الوطنية؛ فإن أهل الشرق

الآن لا يكادون يثقون في الأعمال العمومية إلا بالأجانب!

الأعذار الثلاثة:

اعترفت الجريدة المذكورة بأن الواجب على العلماء إرشاد الخلق إلى مصالح

المعاش والمعاد، ولكن زعمت أنهم بتركه معذورون وبتفويته (كذا في الأصل) غير

موزورين وانتحلت لذلك أعذارا ثلاثة نذكرها ونبين فسادها:

(العذر الأول) ملخصه أن العلماء - في الغالب - ليسوا أصحاب ثروة، وأن

أغلبهم يعيش من نحو تدريس أو إمامة أو خطابة ومداخيل (كذا في الأصل) ، هذه

الوظائف قل أن تزيد عن الكفاية، قال الكاتب: فإذا أرادوا أن يقوموا في تلك

(كذا) الوظيفة التي نقول: إنها واجبة عليهم. وهي وظيفة تحتاج لتفريغ أوقات

كثيرة للقيام بالخطب والمواعظ ونشر المقالات الحادثة في الجرائد وتجشم أسفار -

فمن يا ترى يقوم بمصارفهم (كذا) إن قاموا بتلك الأعباء؟ ! .. إلخ.

الجواب:

إن هذا العذر ممثل للذنب تمثيلا لا يدع للتمويه والانتحال سبيلا؛ ذلك أن ما

هو مورد رزقهم من الخطابة والتدريس لو قاموا به حق القيام لأدوا الواجب عليهم

للأمة، ولكن دروسهم وخطبهم هي مما يفسد الأخلاق والأعمال بما تنفثه من سم الجبر

باسم القضاء والقدر والتكسيل عن العمل بحجة الزهد والتوكل، والتجرئة على

المعاصي بالتمنية بالشفاعات والمكفرات، والإياس من قوة الأمة وترقيها بما يزعمون

من أن سعادة الأمة وعزتها لا يكونان إلا على يد المهدي المنتظر، وأن هذا الشقاء

الذي وقعت فيه لا مفر منه؛ لأنه علامة على قرب الساعة وانتهاء الزمان، ولأن

القاعدة المقررة أنه لا يمضي يوم إلا والذي بعده شر منه، ونحو ذلك من التعاليم

الغامضة والفاسدة المنتشرة في الكتب والخطب وبها، يعظون ويعلمون. وقد فصلنا

القول في بعضها، وموعدنا - ببيان سائرها - الأعداد الآتية إن شاء الله تعالى.

سبحان الله! كيف يعتذر بمثل هذا العذر سوري وأكثر العلماء المدرسين في

سوريا لا يقرؤون الدروس الوعظية إلا في شهر رمضان، ويأخذون من مال الأوقاف

أجور سنة كاملة، ويقضون معظم أوقاتهم في البطالة، وشأنهم في نواديهم وسمارهم

الخوض مع الحائضين في اللغو واللهو، فهل نظرت للواقع - يا أستاذ طرابلس -

وراقبت الله تعالى عندما قلت: إن قيامهم بالواجب منه السفر الذي هم عاجزون عنه

لفقرهم؟ ! ورتبت على هذا أنهم عاجزون عن القيام بوظيفتهم على الإطلاق، وقلت

إن: (أهل الغفلة لا يعذرونهم وإنهم عند الله لمعذورون) ، ألا تذكر - يا أستاذ

طرابلس - أننا اقترحنا عليك أن تقرأ للطلبة في مدرستك درسا في أخلاق الدين

كالجزء الثالث من الإحياء فاعتذرت بضيق الوقت، فقلت له: استبدل هذا الدرس

بدرس مقامات الحريري القليل الجدوى، فاعتذرت بما ملخصه أن التلامذة يستثقلون

مثل هذا الدرس ولا يرتاحون له، مع أن هذا العلم فرض عين وتعليمه من فروض

الكفاية، ولم يقم به في بلدك أحد، ومرت السنون ولم تقرأ في الأخلاق شيئا، قلت:

لا يكفي مجرد وعظ العلماء في دروسهم المقامة في بعض المساجد لقلة من حضره.

فهل تقول مثل ذلك أيضا في خطب الجوامع إن كنت تحب إرشاد الناس؟ ! فاعقد

بالله مجلس وعظ بعد صلاة الجمعة، واجعله كل أسبوع في مسجد وانظر أيجتمع

عليك الناس أفواجا أفواجا أم لا؟ ! قل لي - يا رعاك الله - هل ينقص هذا من

رزقك الذي تأخذه من الأوقاف أو من خزينة الدولة أو من المطبعة والجريدة؟ وهل

تخشى منه على عيلك الفقر والمسكنة.

اللهم بصرنا نفوسنا وأرنا الحقائق كما هي كيلا نضل ونشقى.

(لها بقية)

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ٣٩