الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
الأخبار التاريخية
(روسيا وإنكلترا)
بذلت دولة الروسيا جهدها في الاستفادة من فرصة الحرب الحاضرة فعقدت
قرضا مع دولة إيران لتنفي منه هذه دين إنكلترا فيبطل نفوذها في تلك البلاد،
وساقت جيشا إلى حدود أفغانستان تمهيدا للزحف على الهند أكبر أمانيها الاستعمارية
بمقتضى وصية بطرس الأكبر , وقد نشرت مجلة (بلاك دويت) تقريرا لأربعة
من الضباط الروسيين انتدبهم ناظر حربية روسيا لاكتشاف حدود الهند وتحصينها
بينوا فيه أن الاستيلاء على الهند سهل على روسيا , وذكروا أنهم ذهبوا أولا إلي
مشهد من بلاد فارس ثم إلى أسخاباد ثم إلى كوشك ومنها إلى هرات مفتاح البلاد
الهندية، ثم رجعوا إلي كوشك ومنها ركبوا في نهر الأكسوس (سيحون) إلى
كيليف وهناك اكتشفوا الحدود الروسية، ثم ذهبوا إلي بلخ، ثم إلى كابل عاصمة
أفغانستان من جهة ماجاشريف وباميان وقد شكوا من وعورة هذا الطريق ورداءته ,
وذكروا أن الأمير عبد الرحمن تقبلهم بقبول حسن وتلقى مكتوب القيصر له بكل
سرور , وساعدهم على استعراف ما أرادوه من مراكز الإنكليز ونقطهم الحربية
الجديدة , وقابلوا عنده بعض رؤساء القبائل الأفغانية , واستفادوا منهم فوائد لا تقدر
بثمن , وأقاموا في كابل ثلاثة أسابيع , ثم سافروا إلى حدود الشترال لاستعراف
عادات القوم وأحوالهم بعد أن عرفوا الشئون الحربية , وقد استطلعوا حدود
البلوخستان الإنكليزية والنجود والأراضي التي بين الهند الإنكليزية والإيالات
المستقلة الأهلية في جهة شترال وكشمير ولاداك , وصرحوا بخطأ الذين كانوا
يعدون أفغانستان داخلة في دائرة النفوذ البريطاني , وصرحوا بأنه ضعيف في
أفغانستان , ومعدوم في الولايات التابعة لها , وأنه حل محله في هرات وبلخ
وكوندوز الميل إلى روسيا ,وصرحوا بأن حدود الهند الإنكليزية تدل على قلة
تبصرهم بالعواقب؛ لأنهم اعتمدوا على الحصون الطبيعية, ولم يستعدوا للطوارئ
اقتصادا أو بخلا وغرورا , ونتيجة اكتشاف هؤلاء الضباط أن الخط الذي بين
بشاور وكوتا المواجه لأقرب طريق من أواسط آسيا غير كفؤ للمقاومة ولا يمكن
عبوره بقوة مهاجمة ما دام الإنكليز متحصنين وراءه (كذا) أن بقية الحدود
الإنكليزية يمكن تجاوزها بقوات ضعيفة، يمكن القرب من أي نقطة من الحدود
بسهولة إذا كانت القوة عظيمة على شرط أن تبقى الأعمال مكتومة لئلا تستعد
حكومة الهند استعدادا جيدا اه.
***
(أخبار الحرب الحاضرة)
مضى على هذه الحرب خمسة أشهر , والإنكليز فيها على انكسار متواصل
وخذلان مستمر , وقد نقل إلينا البرق أخيرا أن قائد جيش أورانج الجنرال كرونجي
قد سلم للقائد الإنكليزي العام المارشال روبرتس؛ لأنه وجد أن جيشه لا يبلغ ربع
جيش الإنكليز هنالك، وأكثر ما قيل فيه: إنه يبلغ نحو 4000 صاروا أسرى
للإنكليز وعند البوير ممن أسروه من الإنكليز أكثر منهم , ونقول ها هنا: إن جميع
جرائد أوربا أظهرت الشماتة بالإنكليز تبعا لأممها ودولها إلا الجرائد العثمانية , بل
إن من هذه الجرائد ما كان كلامها في الحرب إفراطا في المدافعة عنهم كجريدة
بيروت الغراء , وإننا نقول الحق وإن كان مرا في مذاق المصريين الذين يئنون من
وطأة ضغط الإنكليز أن من مصلحة الدولة العلية أن تنتصر دولة إنكلترا بعد
انكسارها لأن خذلانها المستمر يحدث انقلابا في أوربا , واختلالا في الموازنة بين
الدول يكون فيه الرجحان لدولة روسيا عدوة الدولة الطبيعية التي لا يرضيها إلا
محو اسمها من لوح الوجود (حماها الله تعالى ووقاها) وقد هنأ مولانا السلطان
الأعظم جلالة الملكة بهذا الانتصار الأخير , ويظهر أن الكرة ردت للإنكليز على
البوير لأن جيشهم بلغ مائتي ألف مقاتل إلا أن يحول دون ذلك امتداد الثورة في
مستعمرة الكاب، فقد ورد في برقيات يوم الخميس الماضي أن بلاد قضائين أعلن
أصحابها الانضمام إلى الأورانج , والذين أظهروا الثورة فعلا منها 3000 رجل.
عندما أراد الجنرال بوللر الزحف لإنقاذ لاديسمث من الحصار نشر في جيشه
كتابا يحثه فيه على الثبات , قال فيه: (فليثق كل واحد منكم بالنجاح وليعتقد
بالفوز) وقد فسرت جريدة الأهرام كلمته هذه بقولها: (أشار عليهم بكيفية اعتبار
البوير مسلمين بهذه العبارة) ونقول: كبرت كلمة هي قائلتها , وأكبر منها أن
المسلمين قرأوها من مدة طويلة , ولم نر أحدا استكبرها أو استنكرها , نعم إن
المسلمين صاروا مهضومي الحقوق في الأرض , وتأخروا عن سلفهم في كل شيء
من حيث تقدمت الأمم الأخرى على أسلافها في كل شيء إلا أن المسلمين لا
يزالون أشجع الأمم وأثبتها وأشدها بأسا , وأصعبها مراسا , وإلى الآن ما غلبوا من
قلة أو جبن , ولكن الجهل والبعد عن آداب الدين جعلا بأسهم بينهم شديدا , وقد آن لهم
أن يعتبروا بما يقال فيهم , ويجتهدوا في تبرئة أنفسهم منه.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>