الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
التعليم بالعمل
جاء في الحدث الشريف: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لا يعلم) ويؤثر
عن الإمام علي - كرم الله وجهه - أنه قال: (يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا
ارتحل) ، وقد أخذ الإمام هذا الأثر من مفهوم الحديث. وغاية ما انتهى إليه
الباحثون في فن التعليم أن الأعمال هي التي تطبع ملكات العلم والعمل في النفوس،
وأن المسائل العلمية التي تعرض على العقول من طريق السمع مرة أو مرات - لا
تكاد تثبت، وإذا ثبت بعضها فإنما يكون كآلة موجودة في بيت رجل لا يحسن
استعمالها، بخلاف ما إذا عرضت المعلومات بأعيانها أو أمثلتها عند الكلام عليها
وكلف المتعلم أن يستعمل علمه ويطبقه على المعلومات. وهذا مما أرشد إليه النبي
والإمام من 13 قرنا واهتدى إليه الأوربيون من عهد قريب.
فمن أحب ألا ينسى ما يتعلمه من قواعد العربية مثلا فليكثر من الأمثلة في
كل مسألة، وليراع القواعد في كلامه بالتكلف قولا وكتابة؛ حتى تنطبع في نفسه،
وتصير ملكة راسخة يصدر عنها الكلام العربي الصحيح بغير روية ولا تكلف،
ونحن نرى الذين لا ينهجون هذا المنهاج يقضون أعمارهم في مدارسة الفنون
العربية، ولا يحسنون قولا ولا كتابة. ولا بد في تحصيل ملكة الفصاحة والبلاغة من
كثرة قراءة الكلام البليغ مع تفهم معانيه وملاحظة أساليبه ومناحيه.
ومعرفة القواعد تعين على هذا ولكنها لا تفيد في الوصول إلى المطلوب بدون
هذا العمل، فكأين من أستاذ قرأ كتب السعد وغيرها مرارا وهو أعيى باقل،
وأعجز عن الكتابة البليغة من صبية المدارس. وقد أحسنت نظارة المعارف المصرية
بحظرها على معلمي العربية الكلام العرفي (البلدي) في أثناء الدروس،
وإلزامها إياهم بأن يجعلوا شرح الدروس وتلقينها للتلاميذ بالكلام العربي الصحيح.
وأجدر بشيوخ الأزهر الأفاضل ونحوهم من معلمي المدارس الدينية - أن يكونوا هم
السابقين إلى هذه السنة الحسنة، وعسى أن يتداركوا ما فاتهم من السبق في البداية،
بالسبق والتبريز في النهاية؛ فإن السبق في نفس العمل المقصود خير من السبق
في الابتداء والشروع.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>