تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

التعليم القضائي

بينا في نبذة سابقة أن مثلى طرائق التعليم هي التعليم بالعمل، وذلك إجمال لو

فصل ببيان كيفياته بالنسبة إلى كل علم وفن - لاحتاج إلى مجلدات كثيرة، ولكن

العالم بفن من الفنون تكفيه الإشارة؛ لأنه مهما كان جاهلا بطريقة التعليم وغير

عامل بعلمه فلا بد أن يكون عالما بكيفية العمل وما عليه في تحصيل الملكة إلا أن

يزاول العمل مرة بعد أخرى، وكلما مضى فيه سهل عليه حتى يصير بغير تكلف.

وهو ما يعبر عنه بالملكة.

ونريد الآن أن نقول كلمة في التعليم القضائي بالعمل وهي: يعلم القراء أن

الحكومة المصرية تحاول في هذه الأيام إصلاح المحاكم الشرعية بناء على ما جاء

في (تقرير المستشار القضائي) الإنكليزي من نسبة الخلل إليها، وتريد أن تبتدئ هذا

الإصلاح بتعيين قاضيين من قضاة محكمة الاستئناف الأهلية النظامية في المحكمة

الشرعية، يحضران الدعاوي المهمة. ويعلمون أن مجلس شورى القوانين رفض

هذا الاقتراح بناء على فتوى شرعية صدرت من جانب سماحة قاضي القضاة

وفضيلة مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر، ملخصها: أنه ليس للحكومة المصرية

ولا لأمير البلاد الحق في نصب قاض شرعي؛ لأن هذا خاص بالخليفة ونائبه الذي

هو في مصر قاضي القضاة، لا سمو الخديو، وأن القاضي الشرعي يجب أن

يحكم بالصحيح والراجح من المذهب النعماني، وأن يكون عالما بهما، وأن يكون قد

مارس المرافعات الشرعية والحكم فيها. وبناء على اعتبار هذا الأمر الأخير في

القضاة - سواء أكان واجبا وشرطا كما يفهم مما مر أم (لا) - نقول:

لا يجوز أن يراد بممارسة المرافعات ما يكون بالقضاء الحقيقي؛ لأنه يلزم منه

الدور، ولكن الممارسة تكون بأحد أمرين: أحدهما حضور المرافعات في

المحاكم وهو لا يتيسر لجميع المتعلمين الذين يترشحون للقضاء، ويلزم له زمن

طويل يصرف بعد طلب العلم في المحكمة. وثانيهما (التعليم القضائي) الوضعي

الذي نريده ونقترحه على فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر ومجلس

إدارته؛ لأنه أسهل الطرق للتحقق بما جاء في الفتوى.

هذا النوع من التعليم يختار له الكتب التي تذكر الأحكام في ضمن الوقائع

وأكثر كتب المتقدمين - لا سيما قبل المئة الخامسة - كذلك؛ لأنهم كانوا يتعلمون

الفقه للعمل، وأول عمل ضاع به الفقه كغيره من العلوم والفنون الإسلامية - تأليف

المتون الوجيزة المختصرة، والعمل الثاني للضياع: اختيار هذه المتون للتدريس

والاستعانة على ذلك بشرحها، والعمل الثالث - وهو الذي تم به الضياع - هو

وضع الحواشي ثم التقارير عليها والخروج بذلك كله عن كون العلم مبينا للعمل

شارحا للوقائع إلى البحث في الألفاظ والأساليب وخلط الفنون بعضها ببعض. ولم

يكن وضع المختصرات في أول الأمر لأجل التعليم والتعلم، وإنما كان الغرض منها

تذكرة المنتهي لا سيما في السفر الذي يعسر فيه حمل الأسفار الكبيرة سيما في تلك

الأزمنة.

ومما يوجب لأسلافنا الفخر ويظهر أننا شر خلف لهم أن الباحثين في فن

التعليم اهتدوا بعد العناء الطويل إلى أن خير طرق التعليم وأقربها هو (التعليم

بالعمل) وبيان المسائل في ضمن الأمثلة والأحكام الشرعية في صور الواقعات، وهو

ما كان عليه سلفنا من قبل ألف سنة، وإنما يكمل هذا النوع من التعليم بتأليف هيئة

للمحاكمات الوضعية كهيئة المحكمة الحقيقية - رئيس وقضاة (أعضاء) ومدع

ومدعى عليه أو وكلاء (محامون) وبينات وتحقيق وحكم.

وينبغي أن تكون المرافعة علنية وأن يتناوب طلاب العلم القضاء فيها وأن

تكون العناية بالدعاوى التي يحكم فيها بالشرع في هذه الأيام أشد من العناية بغيرها.

يقول قائل: أي حاجة للعناية بالأحكام التي لا يعمل بها؛ لأن أمراء المسلمين

نسخوها بالقوانين الوضعية؟

والجواب: أن عدم التعليم القضائي جعل الشريعة السماوية الواسعة ضيقة لا

تفي بحاجة العصر، والأمراء والحكام يرون أنفسهم مضطرين إلى مجاراة العصر في

شؤونه العامة، ويجب أن تكون الأحكام مطابقة لحاجات الناس في كل عصر بحسبه

لا أن تقاوم الطبيعة، وتغير أساليب العمران؛ لتوافق ما يفهمه العلماء على تقصيرهم

من الكتب الشرعية القديمة؛ لأن هذا غير ممكن للناس. فإذا حسنت حال التعليم

ووجد في الأمة علماء يعرفون حال العصر ويستنبطون من قواعد الشريعة العامة

التي نفتخر بها بأنها تنطبق على أحوال كل زمان ومكان ما يوافق مصلحة الناس

بحسب زمنهم هذا؛ فلا شك أن الأمراء والحكام المسلمين يحكمون بها مهما وهى بناء دينهم وسحلت مرائر يقينهم، لعلمهم بأنها أقرب لصلاح الناس لخضوع السواد

الأعظم لها ظاهرا وباطنا، اللهم إلا إذا غلبوا على أمرهم بالسلطة الأجنبية. ولا

نقصد مما ذكرنا تبرئة الأمراء من تبعة ذنب الانحراف عن الشريعة وحصره

بالعلماء! !

كلا ثم كلا، وإنما غرضنا بيان السبب، وقد بلغنا أن إسماعيل باشا الخديوي

الأسبق طلب من علماء الأزهر أن يؤلفوا له كتابا شرعيا في الحقوق والجنايات سهل

العبارة مرتبا على ترتيب كتب القوانين وموافقا لحال العصر (كمجلة الأحكام

الشرعية التي يعمل بها في محاكم ولايات الدولة العلية) فأبوا عليه ذلك وسمعت أن

إحجامهم كان خوفا من طعن العامة في دينهم إذا هم وضعوا الأحكام الشرعية في

أسلوب كتب القوانين. ومهما كان من السبب فالتبعة الكبرى فيه على العلماء

كما هو ظاهر.

يقول المعترض إن الحكومة المصرية مغلوبة على أمرها للأجانب فكيف نرجو

تحويل المحاكم الأهلية شرعية ونحن نرى الحكومة تحاول إلغاء المحاكم الشرعية

والاكتفاء بالمحاكم الأهلية؟ وإذا لم يكن لنا أمل في الحكم بالشرع فعلام العناية وإلام

احتمال العناء في تعلمه تعلما قضائيا أو غير قضائي؟ !

ونقول في الجواب:

أولا - أن التعليم موجود في الأزهر بالفعل، ونحن إنما نطلب تحسينه، وقد

ورد في الحديث الشريف أن الله تعالى يحب إذا عمل أحدنا عملا أن يتقنه وما

ذكر قد يمنع من أصل التعليم ولكنه لا يمكن أن يمنع من تحسينه مع وجوده.

ثانيا - أن الأزهريين يشتغلون جميعا فيما لا يتعلق به عمل في هذا العصر

كأحكام الرقيق بأنواعها بناء على أن مرادهم حفظ هذه العلوم وإن لم تكن تستعمل؛

ولذلك تبرم شيوخهم من زيادة بعض الفنون في الأزهر، لئلا تشغلهم عنها. وتعلمها

بالكيفية التي نريدها أقرب لتحصيلها ولحفظها.

ثالثا - أن الأمل لم ينقطع من العمل بها ولا ينقطع إلا إذا بقي تعلمها على

حاله أو رجع القهقرى كما هو الشأن في أمتنا منذ قرون.

فإذا نفضنا عن رؤوسنا غبار الخمول والكسل واجتهدنا في تحصيل العلوم على

الوجه الذي يؤدي إلى إتقان العمل فلا يمضي زمن قليل إلا ونكون أمة من الأمم،

لها قول يسمع ورأي يحترم، وعند ذلك نحكم بما نريد ونرغب؛ لأن قوة الشعب قوة

إلهية لا تغلب، فمن عمل لهذا الرجاء فأولئك هم المفلحون.

﴿قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾ (الحجر: 56)

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ١١٧