تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

بضعة أيام في خدمة

جمعية شمس الإسلام

خرجت من القاهرة في مساء يوم الثلاثاء 10 رجب في صحبة رئيس هذه

الجمعية، في عموم الأقطار المصرية، ميممين الصعيد الطيب هواؤه، المستعدة

لكل خير أبناؤه، فعرجنا أولا على بلدة بني سويف، وكان قد جاءها من قبل داع

من قبل الجمعية، وفيها بعض الإخوان، فعرف لهم الجمعية بغير صفتها وصبغها

بغير صبغتها، إما عن سوء فهم وإما عن سوء قصد - وقد طرد هذا الداعي بعد

ذلك لخيانة واعوجاج - فلم يتقبل الدعوة إلا قليل، وكان من دخل الجمعية في

زلزلة واضطراب حتى أقنعناهم بأن الجمعية دينية محضة لا غرض لها إلا التعاهد

على ترك المعاصي والمنكرات، والتعاون على البر والتقوى، ونشر العلوم

والمعارف، فانشرحت الصدور بنور الحق، وبتنا ليلتين في هذه البلدة دخل فيهما

طائفة في الجمعية، وتأسست فيها شعبة، ثم سافرنا قاصدين بلدة ملوي فلما وافيناها

ألفينا الجم الغفير من أعضاء الجمعية فيها ينتظروننا في المحطة، وكان قد طير

الخبر إليهم في البرق من بني سويف مضيفنا الأخ الفاضل محمد أفندي خالد سكرتير

المديرية , فنزلنا في دار أقدم الإخوان دخولا في الجمعية، وهو الشهم الهمام الشيخ

محمد مصطفى ثم في دار أنسبائه الأكارم أبناء السيد الشريف المرحوم الشيخ أحمد

عبد الفتاح، وفي ذلك اليوم - وهو يوم الجمعة- رغب إلي الأخ الفاضل الشيخ محمد

صالح خطيب الجامع اليوسفي أن أخطب بالناس وأصلي بهم، ورأيت من رغبة

الإخوان ما حملني على الإجابة، وعندما رقيت المنبر أنطقني الله الذي أنطق كل

شيء بكلام في وصف حالة الإسلام والمسلمين، وما يجب أن يأخذوا به الآن، لم

أكن زورته في نفسي، ولا ألم بفكري قبل تلك الساعة، فصادف آذانا واعية،

وقلوبا مستعدة، فوجلت القلوب وذرفت العيون، وكان فصل الخطاب أن نجاة

المسلمين مما هم فيه من فساد الأخلاق وسيئ الأعمال وتفرق القلوب، لا تكون إلا

بالتعاون على البر والتقوى، وأن الله تعالى قد وفق طائفة من المسلمين للقيام بهذا

التعاون، والتخلق بأخلاق الإسلام، والتأدب بآدابه، فعلى أصحاب الغيرة الملية أن

يمدوا أيديهم لمصافحتهم ومعاهدتهم على ذلك، وقد فهم القوم الإشارة، وأقبلوا على

الدخول في الجمعية أفواجا تائبين إلى الله تعالى توبة نصوحا.

***

(آثار الجمعية في ملوي)

كان من آثار هذه الجمعية في ملوي ترك المنكرات، حتى إن حانة من

الحانات أقفلت وغادر صاحبها الرومي البلدة لكساد الخمرة، وفيها أن المساجد

صارت تزدحم بالمصلين، وكان لا يوجد فيها - لا سيما في صلاة الفجر - إلا نفر

قليل، وإنه منذ انتشرت الجمعية هناك قل التعدي والسطو، وأخبرنا الفاضل عزتلو

أبو زيد بك عمدة البندر أنه منذ ثلاثة أشهر لم يشك أحد من أعضاء الجمعية أحدا،

ولم يشك منهم أحد، وهم يعدون بالمئين، ومثل هذا لم يعهد من قبل فيها، ومن

أحسن آثارها أن المسلمين صاروا أقرب إلى الألفة مع مجاوريهم من المخالفين لهم

في الدين، وأكثر ميلا إلى مجاملتهم، وقد سرني وسر سعادة رئيس الجمعية هذا

منهم، ولما اجتمعت الجمعية العمومية خطبتهم فيها خطبة مطولة، كان جزء كبير

منها في الحث على مجاملة جيرانهم المخالفين لهم في الدين وبيان أن هذا من

موضوع الجمعية؛ لأنها دينية تهذيبية، والدين يحرم إيذاء الذمي والمعاهد، حتى

ورد أن النبي نفسه صلى الله عليه وسلم يكون خصم من آذاه، وسردت لهم بعض

الآيات والأحاديث الواردة في ذلك، كقوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم

يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} (الممتحنة: 8) وكقوله عليه الصلاة والسلام: إذا ظلم أهل الذمة أديل للعدو, أي

ترجع له الدولة، وكقول الفقهاء: يجب إطعام الذمي المضطر وتجهيزه ودفنه إذا

مات ولم يكن له مال ولا كافل إلخ إلخ، ويستحب في سائر الأوقات.

وأفضل آثارها هناك الشروع في افتتاح مدرسة تعلم فيها جميع العلوم

والفنون واللغة الانكليزية مع التربية علما وعملا على مبادئ الدين، وقد حصل

الاكتتاب بحضور سعادة الرئيس، فمن الإخوان من اكتتب بأربعين جنيها كالسيد

الشريف الشيخ هاشم عبد الفتاح والسخي الجواد الشيخ محمد سليمان، ومنهم من

اكتتب بخمسة وعشرين جنيها وهم كثيرون، وفي مقدمتهم السري الأمثل

إسماعيل بك عبد الله، ومنهم من اكتتب بما دون ذلك بحسب درجتهم في الثروة،

والمرجو من همة أولئك الكرام أن يكون افتتاح المدرسة قريبا.

وفي مساء السبت ركبنا الذهبية في ترعة الإبراهمية قاصدين ديروط لزيارة

إخواننا، وتأسيس لجنة إدارة لشعبة الجمعية فيها، فعرجنا في الطريق على قرية

صغيرة بتنا فيها عند بعض إخواننا، وجئنا ديروط مساء يوم الأحد فتلقانا أهلها

بالحفاوة، واجتمع علينا في الليل وجهاء البلدة وكرامها من رجال الحكومة وغيرهم،

وطلبوا أن أبين لهم موضوع الجمعية ووجه الحاجة إليها، وشروط الانتظام فيها

بخطاب مسهب، ففعلت وأطلت في بيان عدم تعرض الجمعية للسياسة بقسميها

(الداخلية والخارجية) وعنايتها في بث روح الوفاق والائتلاف بين أرباب الملل

المختلفة في الوطن؛ لأن الشريعة التي هي أساس الجمعية تأمر ببر المخالف في

الدين ومعاملته بالعدل ما لم يكن محاربا ومقاتلا لنا في الدين؛ ولأن نجاح الوطن لا

يتم إلا باتفاق جميع أبنائه على ترقية شأنه واعتقاد أن العدالة الإلهية ساوت بينهم في

الحقوق، وصرحت لهم بأن من دخل الجمعية تائبا من ذنوبه، ثم علم أنه يقترف

كبيرة من الكبائر كالسكر والربا، وشهادة الزور والخيانة، والتعدي على حقوق

الناس، فإنه يطرد من الجمعية طردا لا فرق بين كبير وصغير؛ لأن الحق أعلى من

كل أحد، فسر القوم بموضوع الجمعية وأقبلوا عليها أفرادا وأوزاعا، وأسس

الرئيس العام لجنة الإدارة وأعطاها الدفاتر وأوراق الدعوة والطلب، ثم قفلنا في يوم

الثلاثاء إلى ملوي، وكان معنا جماعة من أهلها، فأقمنا فيها يوما وليلة وسافرنا منها

ليلة الخميس، فعرجنا على مدينة المنيا فبتنا ليلتنا وأقمنا نصف نهار أسسنا فيه

شعبة صغيرة نرجو أن تكبر سريعا بهمة رئيسها العالم العامل وأعضائها الأفاضل،

ثم قفلنا راجعين إلى مصر وعرجنا في الطريق على بني سويف، فمكثنا فيها نحو

ساعتين أقتبس فيهما أعضاء الإدارة من سعادة الرئيس التعاليم الإدارية، وجئنا إلى

مصر بسلام.

فعلم من هذه الخلاصة الموجزة أن استعداد أهل الصعيد لقبول الخير

والتمسك بالحق أقوى من استعداد أهل مصر الذين أفسد مزاج الدهاء منهم التفرنج

والتوغل في الترف، وأن المسلمين لا يرجى لهم خير إلا من الأخذ بآداب دينهم

وفضائله، فلو أن أفصح الخطباء المتمدنين أقام عدة سنين يحث المسلمين على مجاملة

جيرانهم المخالفين لهم في الدين، والائتلاف معهم باسم المدنية، وترك السكر

والفحش محافظة على الصحة مثلا، لما أمكن أن يكون له من الأثر بعض

ما كان لهذه الجمعية الشريفة في مدة قليلة.

زرنا مدرسة زعزوع بك في بني سويف، فرأينا فيها من النظام والاجتهاد

وحسن التعليم ما أنطق ألسنتنا بالثناء على حضرة ناظرها الفاضل وجميع معلميها،

ونخص بالذكر العناية بتعليم الدين، لا سيما تلقين التلامذة شيئا من معاني القرآن

الشريف بالإجمال والاختصار الذي تقتضيه درجة عقولهم ومعارفهم , إلا أننا

انتقدنا على الناظر عدم إلزامه إياهم بالصلاة؛ لأن العلم قلما يفيد بغير التربية العملية

فاعتذر بضيق المحل ووعد بأنه يهيئ الأسباب لذلك في أقرب وقت، وبمثل هذا

اعتذر، ووعد الفاضل الهمام محمد أفندي عارف مؤسس مدرسة ديروط، ولنا الثقة

بأنهما يفيان بوعدهما، لا سيما وقد توفقا للدخول في الجمعية مع معلمي المدرستين،

ولولا ضيق المقام لأسهبنا في الكلام على هذه الرحلة المباركة.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ٥٨٩