الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
تربية الأطفال
{والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل: 78) ، فأول ما يشعر به الطفل ألم الجوع وألم
البرد وأول ما يلهمه امتص حلمة الثدي ثم تزيد الإدراكات فيسمع ويبصر من غير
تمييز بين مدرك وآخر ثم يميز بين مرضعته وغيرها حتى إن بعض الأطفال الذين
يعودون على الرضاع من امرأة واحدة إذا اتفق أن حاولت مرضع أخرى إرضاع
أحدهم يأباها وينفر منها، وهو نوع من التمييز في سن اللبان ظاهر لكن التمييز بين
النافع والضار ووعي الخطاب والاعتبار به إنما يتم في بضع سنين؛ ولذلك قال
الفقهاء والحكماء: إن السنة السابعة هي سن التمييز. وأوجبوا على قيم الطفل أن
يأمره بالعبادة كالصلاة والصوم إن أطاقه في هذا السن، ويتوهم كثير من الناس أن
الابتداء بالتربية يكون من هذا الوقت، وهو خطأ لا يحتمل الصواب، والحق ما قدمناه
في نبذة سابقة من أن التربية تكون منذ الولادة أو الحمل في قول، ولا نعني بهذا
التربية الجسدية فقط بل التربية بأنواعها الثلاثة - الجسدية والنفسية والعقلية -
يبتدأ بها من يوم الولادة.
يقول قائل: إن دماغ الطفل لا عمل له في أول طور الطفولة كما أنه لا عمل
عضويا اختياريا له يطبع في نفسه ملكات الفضائل أو الرذائل، فما معنى تربية نفسه
وعقله حينئذ؟ !
والجواب: إن خلايا الدماغ - الذي هو محل الإدراك - تنمو بنمو الجسد؛
فالعناية بتربية جسد الطفل عناية بتربية عقله، وقد قلنا: إنه يدرك في سن اللبان
بعض الجزئيات ويميز أيضا بينها تمييزا ما. وكل إدراك وتمييز له أثر في
الدماغ، وكل عادة يعود عليها الطفل يكون لها أثر في نفسه وإن لم تظهر آثار ذلك
كله إلا في المستقبل، فالمعاملة التي يعامل بها الوليد من أول النشأة هي بمنزلة
الأساس لأخلاقه وملكاته وعاداته ومدركاته، لكن الغافلين يرون البناء الرفيع ولا
يتفكرون في أنه قائم على أساس خفي في الأرض وأن ثباته وقوته بذلك الأساس.
ومن الجهل الفاضح أن ينكر الإنسان الآثار التي لا تظهر فورا. ألم تر أن الكبير
إنما تنطبع العادات في نفسه بتكرار العمل حتى تصير ملكات راسخة تتعسر عليه
مقاومة آثارها. يشرب من لم يكن معتادا على التدخين سيجارة مسايرة لصديق له، ثم
أخرى إجابة لصديق آخر، فينصحه بعض العقلاء بترك هذه المسايرة والمجاراة
محذرا له من صيرورة التدخين عادة، فلا يلتفت إلى قوله، وربما يصرح له بأن
من المحال أن يعتاد هذا أو ينفق عليه درهما! فلا يزال يعمل التكرار في دماغه
في مركز مخصوص منه حتى تنطبع الملكة وتدفع الرجل إلى المواظبة وإنفاق
المال مهما كانت حاجته إليه شديدة. وهكذا شأن من يتعود على الميسر (القمار)
وغيره من الأعمال القبيحة أو الحسنة. فإذا كان العمل الاختياري من المميز
والعاقل لا يظهر أثره إلا في نفسه إلا بعد زمن طويل فهل يصح لنا أن نحكم بأن
ما نعامل به الطفل لا يؤثر في نفسه؛ لأننا لا نشاهد الأثر عقيب المعاملة؟ ! كلا.
فليعلم الآباء والأمهات أن سعادة أولادهم بل سعادة أوطانهم وبلادهم - تتوقف
على تربية أولئك الأولاد من أول النشأة، فالمرأة التي لا تعتني بتنظيف وليدها
وبإرضاعه وتقريمه [تعليمه الأكل] وتنويمه في أوقات معينة وبكيفيات منتظمة،
والتي تكذب عليه بالقول أو العمل لأجل الترغيب أو الترهيب، وتسبه وتفحش عليه
وتهينه وتضربه عند الغضب، والتي لا تبالي بسيئاته إذا أساء وتسترضيه إذا غضب
ولو بالباطل بالشهوات المضرة، والتي تؤثر أحد أولادها على الآخر ذكرا كان أم
أنثى - التي تعامل أولادها في الصغر بما ذكر لا ينبغي أن تعتب على الحظ أو تحيل
على القدر إذا رأتهم في الكبر قذرين متهاونين في شؤونهم وشؤون أوطانهم لا يتقنون
عملا ولا يتحامون زللا، كذابين منافقين مسرفين ظالمين فاحشين أرذلين متعادين
متباغضين يؤثر كل واحد شهوته على كل شيء ويزاحم أخاه بما يتسامح بمثله مع
الأجنبي. بل يجب أن تعتقد هذه الأم الشقية أن هذا البلاء هو ثمرة ما غرست
وعاقبة ما قدمت، وسنفصل القول في أنواع التربية الصحيحة تفصيلا.
***
التعليم الفطري
جميع العلوم والفنون مأخوذة قواعدها الكلية من المحسوسات؛ فالصغير يدرك
في أول أمره الجزئيات الحسية ثم ينتزع الكليات من التوافق والتباين اللذين يراهما
فيها. ولا يخفى على العلماء أن تمحيص الحقائق وصيرورة حدود القواعد العامة
جامعة مانعة لم يصل إليهما الإنسان إلا بعد بحث طويل في سنين كثيرة. فإدراك
الكليات والإشراف منها على الجزئيات هو غاية العلم ومنتهى التحصيل، ومن
الحماقة والجهالة أن يطالب الأحداث في ابتداء تعليمهم بغايات العلماء بعد الأبحاث الطويلة في العصور والأجيال، وهو فهم القواعد الكلية واستنباط الجزئيات منها.
والصراط المستقيم لحسن التعليم هو صراط الفطرة والطبيعة وهو أن تلقي
للتلميذ أمثلة محسوسة كثيرة ثم تنبهه على أن هذه الجزئيات يجمعها أمر كلي يسهل
على من تعقله أن يلحق كل ما يعرض له من الجزئيات به وهو كذا، ثم يطالب بأن
يأتي بعدة أمثلة من عند نفسه، ويلي هذا الطريق أن يفهم التلميذ القاعدة إجمالا ثم
توضح له بكثرة الأمثلة. وبهذا التعليم يستغني بقراءة كتاب واحد مرة واحدة عن
قراءة الكتب الكثيرة وتكرارها، وبهذا التعليم تحفظ المسائل فلا تنسى إلا ما شاء الله،
وكل طالب علم يعرف من نفسه أنه ينسى أو يذهل عن أكثر المسائل التي لا
يستعملها، ولا يأتي عليها بأمثلة كثيرة ما لم تكن المسألة من البديهيات.
الإتيان بالأمثلة الكثيرة على القواعد نوع من العمل، وقد كتبنا نبذة سابقة في
(التعليم بالعمل) بينا فيها أن العلم إنما يثبت وينمو بالعمل، والعلم الصحيح الذي
يجدر أن يسمى صاحبه عالما - هو ما كانت ملكته راسخة في النفس تصدر عنها
آثارها بلا تعمل ولا روية. وقد علمت مما تقدم آنفا في نبذة
(تربية الأطفال)
أن
الملكات لا تنطبع في النفس إلا بتكرار العمل.
وإن تعجب فعجب قولهم: إن العالم من إذا قرأ الكتب التي درسها مرارا يفهم
أساليبها ونكتها ويقدر أن يأتي في المسألة الواحدة باحتمالات كثيرة - وربما لا يجزم
بشيء منها - ولا يشترط فيه أن تكون المسائل والقواعد راسخة في نفسه بحيث
يأتي بجزئياتها بغير تكلف ولا ملاحظة قاعدة.
حقا أقول: إن كل هذا هو العلم فما أقل فائدة العلم! وما أبعد المسافة بينه وبين
سعادة البشر، بل أقول: إن العلم الذي لا يؤثر في أخلاق النفس ولا يبعث ويزعج
إلى إصلاح أعمالها لغو لا فائدة فيه ألبتة ولا يصح أن يسمى علما. فإن قيل: فائدته
القيام بإفادة الناس به بالتعليم. نقول: ولماذا يتعلم الناس ما لا أثر له في أخلاقهم
وأعمالهم التي هي مصدر سعادتهم؟ ! قال بعض علماء التعليم من أهل
الغرب: إن كثرة المطالعة تورث النسيان وكثرة المكث في المدرسة تورث البلادة.
وقال: قد ثبت بالاستقراء أن أكثر النابغين كانت مدة إقامتهم في المدارس قليلة.
فعسى أن يتنبه طلاب العلم - لا سيما الأزهريين ومن على شاكلتهم - إلى
طريقة التعليم المثلى، فيستفيدون في الوقت القصير علما كثيرا وما يتذكر إلا من
ينيب.
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>