تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

دروس جمعية شمس الإسلام

(2)

(أمالي دينية - الدرس

الثاني - تمهيد ومقدمات)

(5) الدين والعقل: بسم الله الرحمن الرحيم {الر تلك آيات الكتاب المبين*

إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} (يوسف: 1-2) العقل مشرق أنوار

الدين، والإيمان هو تصديق العقل بأن جميع ما جاء به النبي حق، فالدين الإسلامي

والعقل توأمان، وقد أجمع أئمتنا على أنه ليس في الدين شيء يمنعه العقل أو يحيله،

وأن من علامة الحديث الموضوع، أي المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم

استحالة معناه عقلا، ومن المقرر عندهم أن ما عساه يوجد من النقول الصحيحة

مخالفا في ظاهره للعقل، فلا بد من تأويله وتخريجه على وجه صحيح يقبله العقل،

وإلا استحال الإيمان به، القرآن لا يخاطب إلا العقل، لا سيما في قضايا الإيمان

ومسائل الاعتقاد التي يطلب فيها العلم، ويرفض الظن وإن كان راجحا، فقد قال

ناعيا على المشركين تمسكهم به: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد

جاءهم من ربهم الهدى} (النجم: 23) {إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا

يغني من الحق شيئا} (النجم: 28) وقد أناط الصدق في الإيمان بإقامة البرهان،

فقال: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ (البقرة: 111) .

الآيات القرآنية التي تنيط الدين بالعقل هي من الكثرة بحيث لا يمكنني

استحضارها، وما منكم إلا من يقرأها أو يسمعها كل يوم، افتتحنا الكلام بآية منها،

وقال تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ (الأنفال:

22) وقال عز وجل: ﴿ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون﴾ (يس:

62) وقال عز من قائل: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون﴾ (يس:

68) وقال تبارك وتعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات

والنذر عن قوم لا يؤمنون} (يونس: 101) وقال تبارك اسمه: {إن في

ذلك لآيات لقوم يعقلون} (الرعد: 4) وقال: {إن في خلق السموات والأرض

واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب} (آل عمران: 190) وقال: {إن

في ذلك لآيات لأولي النهى} (طه: 54) ومثل هذه الآيات كثيرة جدا، وأكثر ما

ترد بعد وصف ما في الطبيعة من مظاهر القدرة والحكمة، وسرد أحوال الأمم

والشعوب، وظاهر أن الألباب والنهى هي العقول، وكذلك ذكر العلم والتفكر في

مثل هذه المواضع كثير جدا، ولقد قرأت الكتب المقدسة عند بعض الملل الأخرى، فما وجدت فيها شيئا من هذا، إن أمة هذا كتابها وأصل دينها، حقيقة بأن تكون

أبعد الأمم عن الأوهام والخرافات، وأشدها تمسكا بالحقائق، لا تأخذ إلا باليقين ,

ولاتلتفت لما لا تقوم عليه البراهين، ولكن لما فسد التعليم، وغلبت الجهالة، وصار

القرآن يتلى للتغني لا يتدبره متدبر، ولا يعتبر به متفكر - هجمت علينا زحوف

الأوهام والخرافات من الأمم التي جاورناها ومازجناها، ففتكت بنا كما فتكت بهم،

وهبطت بعقولنا ومداركنا كما فعلت بهم من قبل، حتى ضعفت الأنظار واختل

نظام الأفكار، فطوحت بنا الطوائح، واجتاحت عمراننا الجوائح، ولقد شفي بعض

من سرت إلينا عدواهم، ونحن لا نزال مرضى، وانتظمت مدنيتهم ونحن ما فتئنا

فوضى.

(6) الاجتهاد والتقليد: تكلمنا في الدرس الماضي عن البصيرة في الدين،

وبينا أنها من أصول الإسلام، وأنه لا يؤدي إلى غايتيه - سعادة الدنيا وسعادة

الآخرة - إلا بها، وبينا أن الكتاب العزيز ذم التقليد وأهله، ونزيد المسألة وضوحا

ليعرف خطر التقليد من لم يعرفه، فيزيد نشاطا في فهم دينه، ويتبين الحق أخونا الذي

زعم أنه رأى في بعض الكتب أن المقلد أفضل من المجتهد (وكان بعض أعضاء

الجمعية وقف خاطبا فقال هذه الكلمة) .

ولا أعلم أن أحدا من العلماء الذين يعتد بقولهم قال هذه الكلمة، ولو كان هذا

القول صحيحا لكان هؤلاء السوقة والغوغاء أفضل من الأئمة المجتهدين، كلا، إن

هذا القول مصادم للنقل والعقل، ومحقر للعلم، ومفضل للجهل.

إن العلماء قد اختلفوا في صحة إيمان المقلد، فذهب أكثر المحققين - لا سيما

المتقدمين - إلى أن إيمان المقلد لا يصح ولا يعتد به، ونقل بعض العلماء

الإجماع على هذا القول، واستدلوا عليه بالآيات القرآنية الكثيرة، كقوله تعالى:

﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ (محمد: 19) وقوله {إن الظن لا يغني من الحق

شيئا} (يونس: 36) أي فيما يطلب فيه العلم، كالاعتقاد، وقوله: {قل

هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} (البقرة: 111) وقوله: {وبالآخرة هم

يوقنون} (البقرة: 4) قال البيضاوي: اليقين إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عن

نظر واستدلال وليس للمقلد من ذلك نصيب. وبالآيات التي تأمر بالنظر والاستدلال،

كقوله تعالى: ﴿قل انظروا﴾ (يونس: 101) وقوله: {أفلم ينظروا إلى السماء

فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج} (ق: 6) وبالآيات التي تذكر

المقلدين في معرض التوبيخ والتقبيح، كقوله تعالى: {بل قالوا إنا وجدنا آباءنا

على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} (الزخرف: 22) وقوله عز وجل: {وإذا

قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا

يعقلون شيئا ولا يهتدون} (البقرة: 170) والآيات في هذه الأنواع الثلاثة كثيرة

جدا، ومنها جميع ما أوردناه آنفا في مخاطبة العقل وإناطة الدين به، هذا ما أرشد إليه

القرآن، وإذا ولينا وجهنا شطر الاختبار ألفينا أن إيمان المقلد عرضة للزلزلة

والاضطراب؛ بل وللزوال والانقلاب، ألم تر إلى السحرة الذين آمنوا بموسى

عن برهان لتفرقتهم بين السحر والمعجزة كيف هددهم فرعون بما حكى الله بقوله:

{قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم

وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى * قالوا

لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه

الحياة الدنيا} (طه: 71-72) إلخ الآيات، فانظروا كيف عرضوا

أنفسهم لأشد العذاب ولم يضطرب إيمانهم، وانظروا إلى بني إسرائيل الذين سلموا

لموسى لأنه منهم، وخلصهم من العذاب لا لأنهم فهموا ما جاء به من الآيات،

كيف عندما {أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها

كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون} (الأعراف: 138) فهذا هو الفرق بين

الإيمان بالدليل، والإيمان بالتقليد.

قال قائل: إننا نرى العامة لا يرجعون عن شيء من الدين مهما أورد عليهم من

الشكوك، فقلت له: إن العامي لا يقبل كلام مثله فيما أخذه باسم الدين، وإن كان

باطلا ليس من الدين في شيء، ولكن إذا شككه من يعتقد بعلمه أو صلاحه فإنه لا

يلبث أن يشك ويرتاب، قال القائل: لا يمكن أن يشك العامي في وجود الله تعالى

وإن شككه جميع العلماء والصلحاء، فقلت له: سيأتي معنا أن الاعتقاد بوجود الله

تعالى هو من الإلهامات الفطرية للإنسان، حتى قال كثير من العلماء: لا حاجة

للاستدلال عليه مطلقا، ولكن أي عامي ألقيت عليه من صالح أو عالم عقيدة فاسدة

يتلقاها بالقبول لا سيما إذا كان لها شبهة مما عليه المسلمون، كأن يقول له: إن الله

تعالى قد جعل فلانا النبي أو الولي وكيلا له في الأرض، وصرفه في خلقه بحيث

صارت إرادته كإرادة الله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن

فيكون} (يس: 82) [*] أو أن الله تعالى حل فيه، أو أنه قاعد على العرش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رآه كما يرى بعضنا بعضا وسمع كلامه بصوت

وحرف، أو أنه تعالى قد وجد قبل العالم بألف ألف سنة مثلا، فإنه يعتقد

هذا كله، ولا يشك فيه، وقد جربت هذا بنفسي فيهم.

لما فشا الجهل في المسلمين رأى العلماء المتأخرون أن القول بكفر المقلد في

الإيمان يفضي إلى تكفير معظم المسلمين، فأفتوا بصحة إيمان المقلد بشرط أن يأخذ

العقيدة على حقيقتها، ويجزم بها جزما قاطعا بحيث لا يشك فيها مهما شكك، ولا

يرجع عنها، وإن رجع مقلده وجميع العالمين، قال في الجوهرة:

إذ كل من قلد في التوحيد ... إيمانه لم يخل من ترديد

ففيه بعض القوم يحكي الخلفا ... وبعضهم حقق فيه الكشفا

فقال: إن يجزم بقول الغير ... كفى وإلا لم يزل في الضير

ولكن لا خلاف بين العلماء في وجوب النظر والاستدلال على من يقدر عليه،

وفي عصيان من يتركه مع القدرة ويكتفي بالتقليد، فتلخص أن المقلد إما كافر وإما

عاص بترك النظر، اللهم إلا إذا كان ضعيف العقل بعيد الفهم، غير قادر على

النظر والاستدلال.

المنتسبون للإسلام ينقسمون إلى أربعة أقسام (القسم الأول) المجتهدون

الذين يقدرون على إقامة البراهين على كل مسألة من مسائل الاعتقاد، ويردون كل

شبهة ترد على العقيدة أو على الدليل ومقدماته، ولا يشترط أن يكون هذا على

طريقة أهل النظر، ومن هؤلاء من يهبه الله نورا في بصيرته، فيرتقي علمه بالله

تعالى وبدينه إلى درجة تحاكي المشاهدة للمحسوسات، ويعطيه لسنا وحذقا في

صناعة الحجة بحيث يقدر على الإقناع والإلزام، ويبوء مناظره بالحصر والإفحام.

(القسم الثاني) العلماء الذين يتعلمون العقائد ببراهينها، فيفهمون الدليل

بحيث تطمئن قلوبهم، ويكونون في بعد عن الشبهة والريب، ولكن لا يقدرون على

إقامة البراهين من عند أنفسهم، وهؤلاء مقلدون في الدليل والمدلول معا، وهم في

مأمن من الشكوك ما بعدوا عن مهاب الأهواء ومجاري تيارات الشبهات، فإذا

تعرضوا لذلك فلا يسلم إلا من أيده الله تعالى بمعونته، (القسم الثالث) المقلدون

الذين يأخذون العقائد الصحيحة عن العارفين بها من غير دليل ولا برهان إلا الإقناع،

وما يقرب المسائل للفهم من الأمثلة والشواهد الظاهرة، ومن هؤلاء من يفهم

الدليل إجمالا على بعض العقائد دون كلها، وهؤلاء إيمانهم تابع لإيمان غيرهم، فإن

كانوا بحيث لو رجع من قلدوه عن اعتقاده لا يرجعون وإذا شككوا لا يشكون، كانوا

من المؤمنين على ما علمت من الراجح عند المتأخرين، (القسم الرابع) هم الذين

لا يعرفون من الإسلام إلا الظواهر والأقوال والأفعال التي يسمعونها ويرونها من

الذين تربوا بينهم، فلا يأخذون العقائد عن العلماء العارفين، وهم عرضة لشكوك

المشككين وإيهام الواهمين، وما أولئك بالمؤمنين، لا أعني بهذا أن هؤلاء الغوغاء

من العامة الذين يغشون مجالس العلم كلهم كفار لا يعاملون معاملة المسلمين، بل لا

أكفر أحدا بخصوصه ما لم أر أو أسمع منه ما يخالف الاعتقاد الصحيح بالتصريح

الذي لا يحتمل التأويل، ولكنني أعلم بالاختبار والوجدان وبالنقل الصحيح أنني لو

سألت الألوف منهم عن اعتقادهم بصيغة الشك ما اهتدوا إلى الجواب الصحيح، لا

لضعف في اللسان، بل لمرض في القلب والجنان، وهو مرض الجهل الفاضح،

واعلم أن هذا الجهل في النساء أشد منه في الرجال، إذ لا يوجد في النساء عالمات

بالدين يمكن أن يقتبس منهن - ولو في أثناء المحاورة والمسامرة - غير

المتعلمات، والرجل الذي لا يأتي المساجد والمدارس متعلما قد تضمه مجالس الأندية

والسمار (مجالس السهر) فيقتبس منهم شيئا من دينه، وإذا أكثر من مثافنة الخيار

منهم المغرمين بإفادة الناس ربما يأخذ منهم ما فيه غناء له في دينه، وأنى للنساء

بذلك.

إننا نشكو من جهل نسائنا بالأمور الاجتماعية، ونغفل عن جهلهن بأصل الدين،

وإن من نتائج هذا الجهل عدم صحة نكاح المرأة التي لا تعرف عقيدتها على الوجه

الصحيح، وإذا لم يصح نكاحها كان غشيانها من الزنا في الحقيقة (وفي الظاهر

وطء شبهة أو نكاح صحيح) وكان أولادها منه (أولاد حرام) وناهيك بهذه

المفاسد وما يحتف بها.

﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة﴾ (التحريم: 6) هذا أمر الله لكم فأطيعوه، فقد أورد الإمام الغزالي في (الإحياء) أن

أول من يتعلق بالرجل يوم القيامة من خصمائه نساؤه وأولاده يقولون: يا ربنا خذ لنا

بحقنا منه، فإنه كان يطعمنا الحرام وكان لا يعلمنا ما نجهل، وقال الفقهاء: يجب

على الرجل أن يعلم امرأته ما تحتاج إليه من أموردينها، فإن عجز عن ذلك وجب

عليه أن يبعث بها إلى العلماء لتسأل منهم، ويحرم عليه منعها من ذلك.

تطلبون عفة النساء وكمالهن وقيامهن بشؤون منازلكم، ولا تنالون شيئا من

هذه الأمنية إلا بتعليمهن الدين، وإشعار قلوبهن خشية الله تعالى ومراقبته بكثرة

التذكير والوعظ فعلى كل من سمع هذه النصيحة أن يعطيها جانبا كبيرا من العناية،

ويبدأ بتعليم أهله ما يعلم من هذا اليوم، إنني سمعت بعض شبان النصارى الذين لا

يعتقدون بالدين يقولون: إذا حضر نساؤنا مجلسنا، ونحن ننتقد رجال الدين أو

بعض أحكامه وقضاياه، نلجأ إلى الصمت لئلا يفسد اعتقادهن، ومتى فسد اعتقاد

المرأة فسدت عفتها، ولو ضرب عليها ألف حجاب، فالدين الدين، لقنوهن إياه

بالتربية والتعليم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) في عامة كتب الرفاعية الحديثة أن الشيخ الرفاعي كان يقول: إن الولي يصل إلى مرتبة تكون في إرادته شعبة من الإرادة الإلهية بحيث يقول للشيء كن فيكون، فإذا سمع العامي هذا في كتاب إسلامي يصدقه؛ لأن العامة تعتقد أن جميع ما في الكتب حق، لا سيما إذا كان منسوبا للأولياء (حاشاهم) .</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ٤٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ٤٥٧