تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكاتب: أبو حامد الغزالي

-----------------

<span class="footnote">

حقوق الأخوة

(الحق الثاني) في الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات والقيام بها قبل السؤال،

وتقديمها على الحاجات الخاصة. وهذه أيضا لها درجات كما للمواساة بالمال، فأدناها

القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح

وقبول المنة. وقال بعضهم: إذا استقضيت أخاك حاجة فلم يقضها فكبر عليه واقرأ

هذه الآية: ﴿والموتى يبعثهم الله﴾ (الأنعام: 36) وقضى ابن شبرمة حاجة

لبعض إخوانه كبيرة فجاءه بهدية فقال: ما هذا؟ ! قال: لما أسديته إلي. قال:

خذ مالك - عافاك الله - إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ

للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى! قال جعفر بن محمد: إنى

لأتسارع إلى قضاء حوائج أعدائي مخافة أن أردهم فيستغنوا عني. هذا في الأعداء،

فكيف في الأصدقاء؟ !

وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم

بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله، فكانوا لا يفقدون من أبيهم إلا

عينه، بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته. وكان الواحد منهم يتردد

إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت، هل لكم ملح، هل لكم حاجة؟

وكان يقوم بها من حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفقة والأخوة، فإذا لم تثمر

الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها. قال ميمون بن

مهران: (من لم تنتفع بصداقته لم تضرك عداوته) وقال صلى الله عليه وسلم:

(ألا وإن لله أواني في أرضه وهي القلوب، فأحب الأواني إلى الله تعالى

أصفاها وأصلبها وأرقها) أصفاها من الذنوب، وأصلبها في الدين، وأرقها

على الإخوان.

وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك وأهم من حاجتك، وأن

تكون متفقدا لأوقات الحاجة، غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك،

وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك

قمت بها ولا ترى لنفسك حقا بسبب قيامك بها، تتقلد منه بقبول سعيك في حقه

وقيامك بأمره، ولا ينبغي أن تقتصر على قضاء الحاجة، بل تجتهد في البداية

بالإكرام في الزيادة والإيثار والتقديم على الأقارب والولد.

كان الحسن يقول: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا. وقال عطاء: تفقدوا

إخوانكم بعد ثلاث؛ فإن كانوا مرضى فعودوهم، أو مشاغيل فأعينوهم، أو كانوا

نسوا فذكروهم. روي أن ابن عمر كان يلتفت يمينا وشمالا بين يدي رسول الله

صلى الله عليه وسلم؛ فسأله عن ذلك فقال: أحببت رجلا فأنا أطلبه ولا أراه. فقال:

(إذا أحببت أحدا فسله عن اسمه واسم أبيه وعن منزله؛ فإن كان مريضا عدته

وإن كان مشغولا أعنته) وفي رواية: (وعن اسم جده وعشيرته [1] ) وقال الشعبي

- في الرجل يجالس الرجل، فيقول: أعرف وجهه ولا أعرف اسمه -: تلك

معرفة النوكي. وقيل لابن عباس: من أحب الناس إليك؟ قال: جليسي. وقال: ما

اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثا من غير حاجة له إلي فعلمت ما مكافأته من الدنيا.

وقال سعيد بن العاص: لجليسي علي ثلاث: إذا دنا رحبت به، وإذا حدث أقبلت

عليه، وإذا جلس أوسعت له. وقد قال تعالى ﴿رحماء بينهم﴾ (الفتح: 29) إشارة

إلى تمام الشفقة والإكرام. ومن تمام الشفقة أن لا ينفرد بطعام لذيذ أو بحضور في

مسرة دونه، بل يتنغص لفراقه ويستوحش بانفراده عن أخيه. اه. من (الإحياء)

فهكذا تكون الأخوة، وهكذا تكون آداب الأمم في طور الحياة، وكأني بالذين في

قلوبهم مرض تنفر نفوسهم من هذه الآثار، ولو نقل مثلها عن الإفرنج لأعجبوا بها

وتنافسوا فيها.

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(1) رواه الترمذي عمن قال: إنه لا نعرف له رواية. والخرائطي والبيهقي بسند ضعيف.</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢ · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢ · ص ٢٢