تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المجلد رقم (3)

غرة ذو القعدة - 1317ه

2 مارس - 1900م

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

فاتحة السنة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله , والصلاة والسلام

على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم

الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك كلا} (الانفطار: 6-9) لا

تغتر بربك فليس الغرور من لوازم الكرم , واشكر له نعمة التعديل والتسوية، فإن

الكفران يزيل النعم , فبهذه النعمة جعلك خليفة في الأرض , واستعمرك فيها إلى يوم

العرض , وسخر العوالم العلوية والسفلية , وذلل لك القوى الطبيعية , وهداك

النجدين , وبين لك السنتين , إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم , وأنزل عليك

الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر

والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء: 70) .

يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه , وسعادتك أو شقاوتك

محصورة فيه , فأما الذين يقومون بحقوق الاستعمار بحسب السنن الطبيعية؛

فأولئك أصحاب السعادة والخلافة في دنياهم , وإذا ضموا إليها تزكية الأرواح باتباع

السنن الدينية تمت لهم السعادة في أخراهم , وأما الذين يجهلون سنة الله في هذه

الأكوان , ويقصرون بما اقتضته الحكمة الإلهية من العمران؛ فأولئك هم الذين لا

يرون في دنياهم من السعادة فتيلا , ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى

وأضل سبيلا.

يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم الحياة

الأبدية , ويمتعكم بالسعادة الدنيوية والأخروية , {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون

في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات

لعلكم تشكرون} (الأنفال: 26) ولو شكرتم لظلت هذه النعم في مزيد {وإذ

تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} (إبراهيم: 7)

فلولا كفر النعم لما حلت بنا هذه النقم , ففاتنا ونحن كثير , ما كان لنا ونحن

قليل , حلت بنا الرزايا والمصائب , وتخطفنا الناس من كل جانب {ذلك بأن

الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع

عليم} (الأنفال: 53) منح الله آباءنا الأولين ما وعد به عباده المؤمنين , وما

كان ذلك محاباة وجزافا , وحرمنا نحن من تلك السيادة وحيل بيننا وبين هاتيك

السعادة , وما كان ذلك بخلا أو إخلافا , ولكنه أعطى كلا ما طلبه بلسان حاله ,

واكتسبه بجليل أعماله , كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء

ربك محظورا , انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر

تفضيلا.

﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ (الأنفال: 29) بالرجوع إلى سنته

الكونية والدينية والشكر على نعمه النفسية والآفاقية ﴿يجعل لكم فرقانا﴾ (الأنفال: 29) يزيح عنكم الشبهات , ونورا تهتدون به في هذه الظلمات ,

﴿ويكفر عنكم سيئاتكم﴾ (الأنفال: 29) التي تقاسون بلاءها , ﴿ويغفر لكم﴾ (الأنفال: 29) ذنوبكم التي تساورون عناءها ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ (الأنفال: 29) هداكم بالدين القيم إلى النجاح في الحال , والفلاح في

المآل , فمن نجح به فأولئك هم المفلحون , ومن فاته الربح به فأولئك هم

الخاسرون , وقد مضت سنة الأولين بأن الناس تبع لرؤسائهم في الدنيا

والدين , فما غوينا إلا بغوايتهم , ولا نهتدي إلا بهدايتهم , فإذا انقطع من الحكام

الرجاء , فهو لم ينقطع من العلماء {سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله

قدرا مقدورا} (الأحزاب: 38) .

إن أولى الناس بتعليق الآمال بالعلماء من دون الحكام والأمراء , هي الأمة

التي ما ترك دينها رابطة إلا وحلها , وحل بعد ذلك محلها , حتى أحاط بجميع

المصالح البشرية , وأوضح محجة الشؤون الروحية والجسدية , فكل ما أصابته من

السعادة كان يفيض عليها من سماء الدين , وكل ما أصابها من الشقاء إنما هو

بالانحراف عن صراط الدين , فلا جرم تكون حياتها بحياة الدين , وموتها بموت

علماء الدين , ويصح أن تضيف ما هي فيه من البلاء كله أو بعضه إلى تقصيرهم,

وتنسب ما بقي لها من آثار النعماء إلى ما كان من تشميرهم , ألم تروا أن ما دخل

عليها من المدنية العصرية بأيدي الأمراء المنسلخين عن المعارف الدينية كان عليها

وبالا وما زادها إلا خزيا ونكالا، بخلاف مدنيتها الزاهية في أيام دولها الماضية ,

وكان وعدا مفعولا.

فيا أيتها الامة الإسلامية التي اغتر بعضها بدعاة الوطنية , فعلقوا آمالهم

بالوساوس الأجنبية , فانقلبوا بالبعد عن دينهم خاسرين , واغتر آخرون ببعض

أصحاب العمائم ظانين أن كل ذي عمامة عالم , فأوهموهم أن طلب السيادة والثروة

منبع المآثم , وأن المدنية كيفما كانت فهي عدوة للدين , اعلمي أنه قد أخطأ أولئك

كما أخطأ هؤلاء , وأوقعوا المسلمين في اختلاف الآراء , بل ألقوا بينهم العداوة

والبغضاء , فكانوا في ذلك من الظالمين , وخلاصة القول وزبدته , وصفوته

وحقيقته , أنه لا يرجى لهذه الأمة النجاح والسير في منهاج الفلاح , إلا بدعاة

ومرشدين يمثلون لها سعادة الدنيا في مرآة الدين , ويبينون لها كيف جمع القرآن

بين مصالح الدارين , حيث جعل الناس على قسمين {فمن الناس من يقول ربنا

آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق * ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا

حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله

سريع الحساب} (البقرة: 200-202) وهذا ما قام يدعو إليه المنار في سنتيه

الماضيتين وهو ما يصيح به الآن على رأس السنة الثالثة , وقد انتشرت بفضل الله

تعاليمه فأشربتها قلوب ولهجت بها ألسنة وكتب بمواضيعه الكتاب , وخطب

الخطباء فمن مخطئ ومصيب ومنتقد ومجيب , وهكذا يكون الأمر في أوله

وستتجلى الحقيقة للناس إن شاء الله عن قريب , والعاقبة للمتقين.

﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ (ص: 88) {قل كل يعمل على شاكلته فربكم

أعلم بمن هو أهدى سبيلا} (الإسراء: 84) {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا

تتبعوا من دونه أولياء} (الأعراف: 3) .

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣ · الصفحة ١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣ · ص ١