الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
قليل من الحقائق عن تركيا
في عهد جلالة السلطان عبد الحميد الثاني
(العمارة البحرية العثمانية)
إن العمارة البحرية العثمانية وإن كانت قد أبلت أحسن بلاء في حرب سنة
1877-1778
م إلا أنها قد خرجت منها بعد أن وضعت أوزارها متضعضعة مختلة
النظام بعض الاختلال، واقتضت حالتها هذه تجديدها أيضا، كما اقتضت التجديد
أيضا حالة الجيش، وقد عملت جلالة السلطان على هذا التجديد حتى تم الآن
(مبالغة) بما أوتيته من بعد النظر في عواقب الأمور، وصدق العزيمة الذي
يقارن تنفيذ جميع مشروعاتها الإصلاحية، فلم يبق إلا مجرد الاختبار النهائي الذي
يعقب تحريك العمارة تفصيلا، وهو أمر تابع لأصول الإصلاح التي وضعت،
أصبحت العمارة العثمانية اليوم تشتمل كما في الإحصاء الأخير لسنة 1894م هذه
السفن وهي:
من المدرعات سبع بوارج كبيرة وثلاثة يخوت ملوكية، وثلاث سفن صغيرة
وواحدة وعشرون من النسافات (التوربيد) وقد تضاعف هذا العدد الآن،
وسفينتان غواصتان من طراز فوردنفيلد تسع جميعها 69697 طونولاتو وقوتها
الاسمية قدرها 39946 حصانا بخاريا، وفيهما 360من مدافع كروب واسترونج
وفوردنفيلد، وعدة عساكرها5420جنديا يديرهم 505 ضباط، واثنتي عشرة من
السفن الخشبية التجارية، وثلاث بوارج، وسبع سفن صغيرة، و 12 سفينة من
حافظة الشواطئ و18 من ذات الدقلين، فجملتها أربعون سفينة تسع 40912
طونولاتو وقوتها الاسمية 1913 حصانا بخاريا، وفيها 318 مدفعا مختلفة
الأقطار، وعدة عساكرها 7454 جنديا يديرهم 695 ضابطا، من السفن الشراعية،
واحدة من السفن الجارة وأخرى من ذات الدقلين، وواحدة من السفن المستطلعة،
و30 من السفن النقالة، وجميعها تسع 8275 طونولاتو، من البوارج المدرعة
يجب أن نذكر البارجة الحميدية التي ركبت البحر في سنة 1885م من معمل
الأميرالية في القسطنطينية وهي سفينة فاخرة تدل على أن الأتراك في صناعة
البوارج البحرية يقدرون على مجاراة الدول الأخرى ذات القوى البحرية، تشتمل
الآن المعامل العثمانية في القسطنطينية وأزمير بإصلاح عدد من السفن الكبيرة
والصغيرة، وتجربتها لجعلها ملائمة للحركات العصرية.
قد اختارت حكومة جلالة السلطان للمدافعة عن شواطئ المملكة وتسليح
مدرعاتها المواد النسافة، وذلك لبساطة تركيبها وعظيم أثرها، فلو أن عمارة أجنبية
حاولت الهجوم على بوغاز الدردنيل لتدخله، لصبت عليها مصائب عظمى من
الخسائر، فإنها تكون محصورة بين نيران الحصون التي على الشاطئين- الأوروبي
والآسيوي - ومعرضة في كل دقيقة لنسف النسافات (التوربيد) التي بتوالي
صفوفها تقطع عليها طريقها، ولا تمكنها بحال من الأحوال من وصولها إلى
رأس نجارا، ومع ذلك لو أن بعض السفن الحربية الأجنبية نجحت بقوة التيار
في اجتياز هذا المعقل الأول، فلا بد لها أن تصادف السفن الحربية العثمانية،
وتكون ملاصقة له، فتحطم منها هذه في أقرب وقت بمساعدة القلاع المتواصلة
على الشاطئ ما بقي سليما بعد اجتياز ذلك المعقل، وفضلا عن ذلك فإن من
يملك بوغازالدردنيل فهو الذي يملك الشاطئ الأوروبي؛ لأن الشاطئ الأسيوي أقل
منه أهمية، فأي محاولة من العدو في إنزال جنوده عليه - إما في شبهة جزيرة
غاليبولي أو غربها - لا بد أن تؤدي به إلى هزيمة فاضحة، وبعد أن تطحن جنوده
قوى الجيش العثماني المراقب الفائق عليه يبلغ به العجز إلى حد أنه لا يمكنه أن يجد
سبيلا للالتجاء إلى مراكبه، ويضطر بلا شك إلى تسليم أسلحته.
مدة الخدمة في العمارة البحرية اثنتا عشرة سنة، خمسة منها في القسم العامل
(النظام) وثلاثة في القسم الاحتياطي لهذا القسم، وأربعة في القسم الاحتياطي
الحقيقي (الرديف) .
لا ينقص فرقة الضباط التي تخرج من مدرسة حلقى البحرية شيئا تحسد عليه
ضباط فرنسا وإنكلترا البحريين، قد شغفت جلالة السلطان بأن تمنح للعمارة التجارية
ما يلزم لانتشارها من وسائل التشجيع والتنشيط، فالفضل لحكومتها الحالية في إسداء
تركيا المدرسة التجارية البحرية التي أسست في حلقى من أربع سنين، وهي
تربي رؤساء السفن (القبودانات) الكبيرة والصغيرة التي يتجر بها على الشواطئ،
كما تخرج رؤساء السفن المعدة للاتجار في البلاد البعيدة الذين سيكون لهم خدم مشهورة
في التجنيد البحري، يتعلق بنظارة البحرية أيضا من مشاة العساكر البحرية ما عدده
5000 أو 6000 عسكري، تستحق النظر هنا لأنها مختارة من أحسن جنود
المملكة العثمانية.
تنقسم تركيا من حيث ترتيب العمارة البحرية إلى تسعة مراكز بحرية وهي:
القسطنطينية وأسكودار وتشيو وبريفيزا وسالونيك وكريت وطرابلس الغرب
والبصرة وفيها خليج العجم، وجدة وفيها البحر الأحمر، قد قضت فرنسا بعد مصائب
حرب 1870و 1871 عشرين سنة في إصلاح خلل نظامها الحربي، وإعادته إلى
ما كان عليه، أما تركيا فقد نجحت في إتمام هذا العمل نفسه في نصف هذا الزمن،
وهو أحسن مدح يمكن للإنسان أن يمتدح به الدولة العلية ومليكها القادر (مبالغة) .
(لها بقية)
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>