15.85-86
يقول تعالى: ﴿ وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة لآتية ﴾ أي بالعدل
ليجزي الذين أساءوا بما عملوا
[النجم: 31] الآية، وقال تعالى:
وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار
[ص: 27]، ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله:
فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون
[الزخرف: 89]، وقال مجاهد وقتادة: كان هذا قبل القتال، وقوله: ﴿ إن ربك هو الخلاق العليم ﴾ تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء ﴿ العليم ﴾ بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض كقوله:
أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم
[يس: 81].
15.87-88
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، فلا تغبطهم بما هم فيه، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك،
واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين
[الشعراء: 215] أي ألن لهم جانبك، كقوله:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]، وقد اختلف في السبع المثاني ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عباس: هي السبع الطوال، يعنون " البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس " ، وقال سعيد: بين فيهن الفرائض والحدود والقصص والأحكام، وقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر، ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وأعطي موسى منهن ثنتين، (والقول الثاني): إنها الفاتحة وهي سبع آيات. قال ابن عباس: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها، وقال قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب وأنهن يثنين في كل ركعة مكتوبة أو تطوع؛ واختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد أورد البخاري رحمه الله ههنا حديثين (أحدهما) عن أبي سعيد بن المعلى قال:
" مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت فأتيته، فقال: " ما منعك أن تأتيني "؟ فقلت: كنت أصلي، فقال: " ألم يقل الله: ﴿ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد "؟ فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "
(الثاني) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم "
، فهذا نص في الفاتحة هي (السبع المثاني) والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطوال بذلك لما فيها من هذه الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله بذلك أيضا، كما قال تعالى:
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني
[الزمر: 23] فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه وهو القرآن العظيم أيضا، كما أنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فأشار إلى مسجده والآية نزلت في مسجد قباء، فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة والله أعلم. وقوله: ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ﴾ أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية.
ومن ههنا ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح:
" ليس منا من لم يتغن بالقرآن "
إلى أنه يستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير، وقال ابن أبي حاتم عن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: