تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود

[هود: 99].

28.43

يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله موسى الكليم، عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم، من إنزال التوراة عليه بعدما أهلك فرعون وملأه، وقوله تعالى: ﴿ من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى ﴾ يعني أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال تعالى:

وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية

[الحاقة: 9-10]، وروى ابن جرير عن أبي سعيد الخدري قال: ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة على وجه الأرض، غير أهل القرية الذين مسخوا قردة بعد موسى، ثم قرأ: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى ﴾ الآية، وقوله: ﴿ بصآئر للناس وهدى ورحمة ﴾ أي من العمى والغي، ﴿ وهدى ﴾ إلى الحق، ﴿ ورحمة ﴾ أي إرشادا إلى العمل الصالح، ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ أي لعل الناس يتذكرون ويهتدون بسببه.

28.44-47

يقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر بالغيوب الماضية خبرا كأن سامعه شاهد وراء لما تقدم. وهو رجل أمي لا يقرأ شيئا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم، قال تعالى:

وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون

[آل عمران: 44]، ولما أخبره عن نوح وإغراق قومه، قال تعالى:

تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين

[هود: 49] الآية. وقال بعد ذكر قصة يوسف

ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون

[يوسف: 102] الآية، وقال في سورة طه:

كذلك نقص عليك من أنبآء ما قد سبق

[طه: 99] الآية، وقال ههنا بعدما أخبر عن قصة موسى ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر ﴾ يعني ما كنت يا محمد بجانب الجبل الغربي الذي كلم الله موسى من الشجرة على شاطىء الوادي، ﴿ وما كنت من الشاهدين ﴾ لذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى أوحى إليك ذلك، ليكون حجة وبرهانا على قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم، وما أوحاه إلى الأنبياء المتقدمين، وقوله تعالى: ﴿ وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ﴾ أي وما كنت مقيما في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قاله لقومه وما ردوا عليه، ﴿ ولكنا كنا مرسلين ﴾ أي ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك إلى الناس رسولا، ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ قيل: المراد أمة محمد، نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن تسألوني وأجبتكم قبل أن تدعوني، وقال قتادة: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ﴾ موسى، وهذا أشبه بقوله تعالى: ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر ﴾ ، ثم أخبر ههنا بصيغة أخرى أخص من ذلك وهو النداء، كما قال تعالى:

وإذ نادى ربك موسى

[الشعراء: 10]، وقال تعالى:

إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى

[النازعات: 16] وقال تعالى:

وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا

[مريم: 52]، وقوله تعالى: ﴿ ولكن رحمة من ربك ﴾ أي ما كنت مشاهدا لشيء من ذلك، ولكن الله تعالى أوحاه إليك وأخبرك به رحمة منه بك وبالعباد بإرسالك إليهم، ﴿ لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ﴾ أي لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله عز وجل، ﴿ ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ﴾ الآية، أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة؛ وينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير، كما قال تعالى:

أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٢٨٣