تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28.36-37

يخبر تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالة القاهرة، على صدقهما فيما أخبرا به عن الله عز وجل، من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من عند الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق، فقالوا: ﴿ ما هذآ إلا سحر مفترى ﴾ أي مفتعل مصنوع، وأرادوا معارضته بالحيلة والجاه، وقوله: ﴿ وما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين ﴾ يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، ويقولون ما رأينا أحدا من آبائنا على هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى، فقال موسى عليه السلام مجيبا لهم: ﴿ ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ﴾ يعني مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم، ولهذا قال: ﴿ ومن تكون له عاقبة الدار ﴾ أي من النصرة والظفر والتأييد، ﴿ إنه لا يفلح الظالمون ﴾ أي المشركون بالله عز وجل.

28.38-42

يخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه، وافترائه في دعواه الإلهية لعنه الله، كما قال الله تعالى:

فاستخف قومه فأطاعوه

[الزخرف: 54] الآية، وذلك لأنه دعاهم إلى الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلى ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿ يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ ، وقال تعالى إخبارا عنه

فحشر فنادى * فقال أنا ربكم الأعلى

[النازعات: 23-24] يعني أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مصرحا لهم بذلك فأجابوه سامعين مطيعين، ولهذا انتقم الله تعالى منه فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، حتى إنه واجه موسى الكليم بذلك، فقال:

لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين

[الشعراء: 29]، وقوله: ﴿ فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى ﴾ يعني أمر وزيره (هامان) مدير رعيته أو يوقد له على الطين يعني يتخذ له آجرا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع العالي، كما قال في الآية الأخرى:

وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السموت فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا

[غافر: 36-37] الآية. وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم ير في الدنيا بناء أعلى منه إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون، ولهذا قال: ﴿ وإني لأظنه من الكاذبين ﴾ أي في قوله إن ثم ربا غيري، لا أنه كذبه في أن الله تعالى أرسله لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع جل وعلا، فإنه قال:

وما رب العالمين

[الشعراء: 23]؟ وقال:

لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين

[الشعراء: 29]، وقال: ﴿ يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ وهذا قول ابن جرير، وقوله تعالى: ﴿ واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ﴾ أي طغوا وتجبروا وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا قيامة ولا معاد،

فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 13-14]، ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿ فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ﴾ أي أغرقناهم في البحر في صبيحة واحدة فلم يبق منهم أحد، ﴿ فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾ أي لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع، ﴿ ويوم القيامة لا ينصرون ﴾ أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى:

أهلكناهم فلا ناصر لهم

[محمد: 13]، وقوله تعالى: ﴿ وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ﴾ أي وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين لرسله كما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، ﴿ ويوم القيامة هم من المقبوحين ﴾ قال قتادة: هذه الآية كقوله تعالى:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١٢٨٢