، وروى ابن جرير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما دعا نبي الله موسى عليه السلام صاحبه إلى الأجل الذي كان بينهما قال له صاحبه: كل شاة ولدت على غير لونها فلك ولدها، فعمد موسى فرفع حبالا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقا إلا شاة واحدة فذهب بأولادهن كلهن ذلك العام.
28.29-32
قد تقدم أن موسى عليه السلام قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما. قوله: ﴿ وسار بأهله ﴾ قالوا: كان موسى قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك بهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلا فجعل كلما أورى زنده لا يضيء شيئا فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك ﴿ آنس من جانب الطور نارا ﴾ أي رأى نارا تضيء على بعد ﴿ قال لأهله امكثوا إني آنست نارا ﴾ أي حتى أذهب إليها ﴿ لعلي آتيكم منها بخبر ﴾ وذلك لأنه قد أضل الطريق ﴿ أو جذوة من النار ﴾ أي قطعة منها ﴿ لعلكم تصطلون ﴾ أي تستدفئون بها من البرد، قال الله تعالى: ﴿ فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن ﴾ أي من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب، كما قال تعالى:
وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر
[القصص: 44] فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة، والجبل الغربي عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء، في لحف الجبل مما يلي الوادي فوقف باهتا في أمرها فناداه ربه ﴿ أن يموسى إني أنا الله رب العالمين ﴾ أي الذي يخاطبك ويكلمك هو ﴿ رب العالمين ﴾ الفعال لما يشاء، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات، في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، وقوله: ﴿ وأن ألق عصاك ﴾ أي التي في يدك، كما في قوله تعالى:
وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى
[طه: 17-18]، والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها
ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى
[طه: 19-20]، فعرف وتحقق أن الذي يكلمه ويخاطبه هو الذي يقول للشيء كن فيكون ﴿ فلما رآها تهتز ﴾ أي تضطرب، ﴿ كأنها جآن ولى مدبرا ﴾ أي في حركتها السريعة مع عظم خلقتها واتساع فمها، واصطكاك أنيابها بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها تنحدر في فيها، تتقعقع كأنها حادرة في واد، فعند ذلك ﴿ ولى مدبرا ولم يعقب ﴾ أي ولم يلتفت لأن طبع البشرية ينفر من ذلك، فلما قال الله له: ﴿ يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ﴾ رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله تعالى: ﴿ اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء ﴾ أي إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ كأنها قطعة قمر في لمعان البرق، ولهذا قال ﴿ من غير سوء ﴾: أي من غير برص. وقوله تعالى: ﴿ واضمم إليك جناحك من الرهب ﴾ قال مجاهد: من الفزع، وقال قتادة: من الرعب مما حصل لك من خوفك من الحية، والظاهر أنه أمر عليه السلام إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب، وهو يده فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك على سبيل الاقتداء فوضع يده على فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجده.
عن مجاهد قال: كان موسى عليه السلام قد ملىء قلبه رعبا من فرعون، فكان إذا رآه قال: " اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من شره " فنزع الله ما كان في قلب موسى عليه السلام، وجعله في قلب فرعون فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار. وقوله تعالى: ﴿ فذانك برهانان من ربك ﴾ يعني جعل العصا حية تسعة، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان على قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿ إلى فرعون وملئه ﴾ أي وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع، ﴿ إنهم كانوا قوما فاسقين ﴾ أي خارجين عن طاعة الله مخالفين لأمره ودينه.