والرجل المذكور هو عثمان رضي الله عنه، قال القاضي عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالنكير على الإمام؛ لما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول
....
وفي المسند (15333) ، من حديث عياض بن غنم، أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له". قال الحافظ ابن رجب: كان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا. حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه. وقال الفضيل: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعير. وسئل ابن عباس، رضي الله عنهما، عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر؟ فقال: إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه.
وقد يجتهد العالم المتأهل للأمر والنهي في بعض الأحوال فيرى الإنكار على ولاة الأمر علانية، وذلك لظهور المصلحة مع أمن الفتنة، أو حدوث مفسدة أكبر، وربما كان ذلك بسبب خشية فوات الأمر، أو من أجل إظهار الحق، فقد يكون خافيا على الناس، وقد أنكر عدد من الصحابة، رضي الله عنهم- على بعض الأمراء علانية، ومن ذلك: إنكار عبادة بن الصامت على معاوية، رضي الله عنهما، ففي صحيح مسلم (1587) ، من حديث أبي قلابة قال: كنت بالشام في حلقة فيها مسلم بن يسار، فجاء أبو الأشعث. قال: قالوا: أبو الأشعث أبو الأشعث. فجلس، فقلت له: حدث أخانا حديث عبادة بن الصامت. قال: نعم، غزونا غزاة، وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه! فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كره معاوية- أو قال: وإن رغم- ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء.