وقد عد ابن حزم رحمه الله تعالى من معارف النفس ما أدركت بحواسها الخمس ثم عد الإدراك السادس علمها بالبديهيات ومثل لذلك بعلمها أن الجزء أقل من الكل، وأن الضدين لا يجتمعان، وأنه لا يكون فعل إلا لفاعل، وغير ذلك، ثم وصفها بأنها أوائل العقل التي لا يختلف فيها عقل.. وليس يدري أحد كيف وقع العلم بها.. وأنها ضرورات أوقعها الله في النفس، ولا سبيل إلى الاستدلال البتة إلا من هذه المقدمات, ولا يصح شيء إلا بالرد إليها, فما شهدت له مقدمة من هذه المقدمات بالصحة فهو صحيح متيقن وما لم تشهد له بالصحة فهو باطل ساقط إلا أن الرجوع إليها قد يكون من قرب ومن بعد, فما كان من قرب فهو أظهر إلى كل نفس وأمكن للفهم، وكلما بعدت المقدمات المذكورة صعب العمل في الاستدلال حتى يقع في ذلك الغلط إلا للفهم القوي الفهم والتمييز.
وقال الجرجاني: "البديهي: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب، سواء احتاج إلى شيء آخر من حدس أو تجربة أو غير ذلك أو لم يحتج، فيرادف الضروري. وقد يراد به ما لا يحتاج توجه العقل إلى شيء أصلا فيكون أخص من الضروري كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان " , وقيل البدهي هو الذي يفرض نفسه فرضا على العقل ولا يترك له أدنى مجال للشك.
وينبغي أن نفرق هنا بين البدهيات والمسلمات، فقد عرف الجرجاني المسلمات بأنها " (قسم من المقدمات الظنية) وهي قضايا تسلم من الخصم ويبنى عليها الكلام لدفعه سواء كان مسلمة بين الخصمين أو بين أهل العلم كتسليم الفقهاء مسائل أصول الفقه ".
ويبدو أن العلاقة بين البدهيات والمسلمات علاقة عموم وخصوص، فكل بدهية مسلمة وليست كل مسلمة بدهية فالبدهيات أخص من المسلمات.