تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ: " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى "

١٨٢٥ - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، حَدَّثَهُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ "

١٨٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، حَدَّثَهُمَا أَنَّ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ. سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " أُمِرْتُ بَقَرِيَّةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يُقَالُ لَهَا يَثْرِبُ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ الْخَبَثَ " إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ. . . ⦗٨٢⦘ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ ﷺ: " أُمِرْتُ بَقَرِيَّةٍ " عَلَى مَعْنَى: أُمِرْتُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى قَرْيَةٍ، وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ ﷺ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمَعْنَى قَوْلِهِ: يَأْكُلُ أَهْلُهَا الْقُرَى، كَمَا قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] بِمَعْنَى: وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَ أَهْلُهَا آمَنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وَكَانَ ذِكْرُ الْقَرْيَةِ فِي هَذَا كِنَايَةً عَنْ أَهْلِهَا، وَأَهْلُهَا الْمُرَادُونَ بِمَا ذُكِرَ فِيهَا لَا هِيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عز وجل: ﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]، وَالْقَرْيَةُ لَا صُنْعَ لَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ﴾ [النحل: ١١٢] وَالْقَرْيَةُ لَا كُفْرَ لَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] وَالْقَرْيَةُ لَا تُذَاقُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَقَوْلُهُ عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ [النحل: ١١٣] فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ مُرَادٌ بِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ لَا الْقَرْيَةَ، كَقَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] بِمَعْنَى: وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، وَاسْأَلْ أَهْلَ الْعِيرِ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا. وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ ﷺ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمَعْنَى قَوْلِهِ: تَفْتَحُ الْقُرَى، أَيْ يَفْتَحُ أَهْلُهَا الْقُرَى. وَوَجَدْنَا قَوْلَهُ ﷺ: " تَأْكُلُ " بِمَعْنَى: تَقْدِرُ، كَقَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] لَيْسَ يَعْنِي بِذَلِكَ آكِلِيهَا دُونَ مُحْتَجِبِيهَا عَنِ الْيَتَامَى: لَا بِأَكْلٍ لَهَا، وَكَقَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦] بِمَعْنَى قَوْلِهِ: تَغْلِبُوا عَلَيْهَا إِسْرَافًا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا، فَيُقِيمُونَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ ⦗٨٣⦘ فِيهَا، فَيَنْتَزِعُوهَا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِهِمْ، فَكَانَ الْأَكْلُ فِيمَا ذَكَرْنَا يُرَادُ بِهِ الْغَلَبَةُ عَلَى الشَّيْءِ، لِأَنَّ كُلَّ آكِلٍ لِشَيْءٍ غَالِبٌ عَلَيْهِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " يَعْنِي أَهْلَهَا، هُوَ بِمَعْنَى تَقْدِرُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى، بِافْتِتَاحِ أَهْلِهَا تِلْكَ الْقُرَى، وَغَلَبَتِهِمْ عَلَيْهَا وَعَلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَظْهَرَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ يُفَسِّرُ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " بِمِثْلِ مَا فَسَّرْنَاهُ بِهِ. كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: " تَأْكُلُ الْقُرَى " قَالَ: تَفْتَحُ الْقُرَى. فَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَا قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَاللهَ سبحانه وتعالى نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

شرح مشكل الآثار · الجزء ٥ · الصفحة ٨١

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح مشكل الآثارج ٥ · ص ٨١