تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأبلج محمود الثناء خصصته

بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي

فالحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدا فهو حميد ومحمود والتحميد أبلغ من الحمد. والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:

إلى الماجد القرم الجواد المحمد

وبذلك سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الشاعر:

فشق له من اسمه ليجله

فذو العرش محمود وهذا محمد

والمحمدة: خلاف المذمة. وأحمد الرجل: صار أمره إلى الحمد. وأحمدته: وجدته محمودا تقول: أتيت موضع كذا فأحمدته أي صادفته محمودا موافقا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه. ورجل حمدة مثل همزة يكثر حمد الأشياء ويقول فيها أكثر مما فيها. وحمدة النار بالتحريك : صوت التهابها. الخامسة: ذهب أبو جعفر الطبري وأبو العباس المبرد إلى أن الحمد والشكر بمعنى واحد سواء، وليس بمرضي. وحكاه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب «الحقائق» له عن جعفر الصادق وابن عطاء. قال ابن عطاء: معناه الشكر لله إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إياه حتى حمدناه. واستدل الطبري على أنهما بمعنى بصحة قولك: الحمد لله شكرا. قال ابن عطية: وهو في الحقيقة دليل على خلاف ما ذهب إليه لأن قولك شكرا، إنما خصصت به الحمد لأنه على نعمة من النعم.

وقال بعض العلماء: إن الشكر أعم من الحمد لأنه باللسان وبالجوارح والقلب والحمد إنما يكون باللسان خاصة. وقيل: الحمد أعم، لأن فيه معنى الشكر ومعنى المدح، وهو أعم من الشكر لأن الحمد يوضع موضع الشكر ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم عليه السلام قال حين عطس: الحمد لله. وقال الله لنوح عليه السلام:

فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين

[المؤمنون: 28] وقال إبراهيم عليه السلام:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق

[إبراهيم: 39]. وقال في قصة داود وسليمان:

وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين

[النمل: 15]. وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:

وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا

[الإسراء: 111]. وقال أهل الجنة:

الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن

[فاطر:34]

وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين

[يونس: 34]. فهي كلمة كل شاكر. قلت: الصحيح أن الحمد ثناء على الممدوح بصفاته من غير سبق إحسان، والشكر ثناء على المشكور بما أولى من الإحسان. وعلى هذا الحد قال علماؤنا: الحمد أعم من الشكر لأن الحمد يقع على الثناء وعلى التحميد وعلى الشكر والجزاء مخصوص إنما يكون مكافأة لمن أولاك معروفا فصار الحمد أعم في الآية لأنه يزيد على الشكر. ويذكر الحمد بمعنى الرضا يقال: بلوته فحمدته، أي رضيته. ومنه قوله تعالى:

مقاما محمودا

[الإسراء: 79]. وقال عليه السلام:

" أحمد إليكم غسل الإحليل "

أي أرضاه لكم. ويذكر عن جعفر الصادق في قوله «الحمد لله»: من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد لأن الحمد حاء وميم ودال فالحاء من الوحدانية، والميم من الملك، والدال من الديمومية فمن عرفه بالوحدانية والديمومية والملك فقد عرفه، وهذا هو حقيقة الحمد لله. وقال شقيق بن إبراهيم في تفسير «الحمد لله» قال: هو على ثلاثة أوجه: أولها إذا أعطاك الله شيئا تعرف من أعطاك. والثاني أن ترضى بما أعطاك. والثالث ما دامت قوته في جسدك ألا تعصيه فهذه شرائط الحمد. السادسة: أثنى الله سبحانه بالحمد على نفسه، وافتتح كتابه بحمده، ولم يأذن في ذلك لغيره بل نهاهم عن ذلك في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام، فقال:

فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

[النجم: 32]. وقال عليه السلام:

" احثوا في وجوه المداحين التراب "

رواه المقداد. وسيأتي القول فيه في «النساء» إن شاء الله تعالى. فمعنى «الحمد لله رب العالمين»: أي سبق الحمد مني لنفسي قبل أن يحمدني أحد من العالمين، وحمدي نفسي لنفسي في الأزل لم يكن بعلة، وحمدي الخلق مشوب بالعلل.

الجامع لاحكام القرآن · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الجامع لاحكام القرآنص ٢