تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما اجتمعوا في صعيد، قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين - يعنون موسى وهارون استهزاء بهما -، فقالوا: يا موسى - لقدرتهم بسحرهم - إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقين، قال: بل ألقوا،

فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون

[الشعراء: 44]. فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحى الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيما فاغرة فاها/، فجعلت العصا تلبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان تدخل فيه، حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته، فلما عرف السحرة ذلك، قالوا: لو كان هذا سحرا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله، آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلى الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأتباعه، وظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون

فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين

[الأعراف: 119] وامرأة فرعون بارزة تدعو الله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون، ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى. فلما طال مكث موسى بمواعد فرعون الكاذبة، كلما جاءه بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف موعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير هذا؟ فأرسل الله عز وجل على قومه

الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات

[الأعراف: 133]، كل ذلك يشكوا إلى موسى، ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويوافقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه، أخلف موعده، ونكث عهده. حتى أمر موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلا، فلما أصبح فرعون، فرأى أنهم قد مضوا، أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحى الله تعالى إلى البحر إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفرق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجاوز موسى ومن معه، ثم التق على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، فانتهى إلى البحر، وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه، وهو غافل، فيصير عاصيا لله.

فلما تراءى الجمعان تقاربا، قال قوم موسى: إنا لمدركون، افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب/ ولم تكذب، قال: وعدني ربي إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة، حتى أجاوزه، ثم ذكر بعد ذلك العصا، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه، وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعون وأصحابه، التقى عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف ألا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه، فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا هلاكه، ثم مروا بعد ذلك

على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون

[الأعراف: 138-139] قد رأيتم من العبر، وسمعتم ما يكفيكم. ومضى فأنزلهم موسى منزلا وقال لهم: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلى ربي، وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع إليهم فيها، فلما أتى ربه [أراد] أن يكلمه في ثلاثين يوما، وقد صامهن: ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئا فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لم أفطرت؟ - وهو أعلم بالذي كان، قال: يا رب إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك؟، ارجع فصم عشرا، ثم ائتني، ففعل موسى عليه السلام ما أمره به، فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع، ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى أن تحتسبوا ما لكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها، ولا عارية، ولسنا برادين إليهم/ شيئا من ذلك، ولا ممسيه لأنفسنا، فحفر حفيرا، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.

تفسير النسائي · الصفحة ١١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير النسائيص ١١٠