تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

روى طاوُس عن ابنِ عبَّاس: «فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ» الذَّنب العَظِيم «ويُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ على الذَّنْبِ الصَّغِير، لا يُسْأَلَ عمَّا يَفْعَل وهُمْ يُسْأَلُون، واللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير» .

قوله: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قد بيَّن بقوله تعالى: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أنه كامل الملك والمَلَكُوتِ، وبيَّن بقوله: ﴿إِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ أنه كامل العِلْمِ والإحاطةِ، ثم بيَّن بقوله: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أنه كامِل القُدْرة، مُسْتَولٍ على كل المُمكِنَات بالقَهرِ والقُدرة والتَّكوين والإِعدام، ومن كان موصوفًا بهذه الصِّفات، يجبُ على كُلِّ عاقِلٍ أن يكون عَبْدًا له مُنْقَادًا خاضِعًا لأوامرهِ ونواهِيهِ.

في كيفية النَّظم وجوهٌ:

الأول: لما بيَّن في الآيةِ المتقدِّمة كمال المُلْكِ والعلم والقُدرةِ له - تعالى -، وأنَّ ذلك يوجب كمال صفة الرُّبُوبيَّة، أَتْبَع ذلك ببيان كون المؤمن في نهاية الانقياد والطَّاعة والخُضُوع لله - تعالى -، وذلك هو كمالُ العُبُوديَّة.

الثاني: أنه - تعالى - لَمَّا قال: ﴿إِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] وبيَّن أنه لا يخفى عليه من سِرِّنا وجهرنا شيءٌ أَلبتَّة، ذكر عقيب ذلك ما يَجْرِي مُجْرَى المَدْحِ لنا؛ فقال: ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون﴾ كأنَّهُ بفضله يقول: عبدي، أنا وإن كُنْتُ أعلم جميع أحوالِك، فلا أَذكُرُ مِنها إِلاَّ ما يكون مدحًا لك، حتى تَعْلَمَ أَنِّي الكامِلُ في العِلم والقُدْرَة، فأنا كامِلٌ في الجُودِ والرَّحْمَةِ، وفي إِظهارِ الحسناتِ، وفي السَّتْرِ على السَّيِّئَاتِ.

الثالث: أنه بَدَأَ السُّورة بمدح المُتَّقين ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] بيَّن في آخر السُّورة أنَّ الَّذِين مدحهُم في أوَّل السُّورة هم أُمَّةُ محمَّدٍ - ﷺ َ - فقال: ﴿والمؤمنون كُلٌّ آمَنَ بالله وملاائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ وهذا هو المراد بقوله في أَوَّل السُّورة: ﴿يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال هَهُنا ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾ وهو المراد بقوله أَوَّل السُّورة: ﴿وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] ثم

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ٤ · الصفحة ٥٢٢

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ٤ · ص ٥٢٢