تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتارة ترك المعصية كقوله تعالى: ﴿وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا واتقوا الله﴾ [البقرة: ١٨٩] أي: فلا تعصوه.

وتارة الإخلاص كقوله: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ [الحج: ٣٢] أي: من إخلاص القلوب.

وهاهنا سؤالات:

السؤال الأول: كون الشَّيء هدى ودليلًا لا يختلف بحسب شخص دون شخص فلماذا جعل القرآن هدى للمتَّقين فقط؟ وأيضًا فالمتقي مهتدي؟ والمهتدي لا يهتدي ثانيًا، والقرآن لا يكون هدى للمتقين؟

والجواب: أن القرآن كما أنه هدى للمتقين، ودلالة لهم على وجود الصانع، وعلى صدق رسوله، فهو أيضًا دلالة للكافرين؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ذكر المتقين مدحًا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا، وانتفعوا به كما قال:

﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] وقال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر﴾ [يس: ١١] .

وقد كان عليه الصلاة والسلام ُ منذرًا لكلّ الناس، فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هُمُ الذين انتفعوا بإنذاره.

وأما من فسر الهُدَى بالدلالة الموصلة إلى المقصود، فهذا السؤال زائل عنه؛ لأن كونه القرآن موصلًا إلى المقصود ليس إلاَّ في حق المتقين.

السّؤال الثاني: كيف وصل القرآن كله بأنه هدى، وفيه مجمل ومتشابه كثير، ولولا دلالة العقل لما تميز المُحْكم عن المُتَشَابه، فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن؟

ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حيث بعثه رسولًا إلى الخوارج: لا تَحْتَجَّ عليهم بالقرآن، فإنه خَصْمٌ ذو وجهين، ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك فيه، ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به، ونرى القرآن مملوءًا من آيات بعضها صريح في الجبر، وبعضها صريح في القدر؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسُّف الشديد، فكيف يكون هدى؟

الجواب: أن ذلك المُتَشَابه والمُجْمَل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو إما دلالة العقل، أو دلالة السمع - صار كله هُدًى.

السؤال الثالث: كل ما يتوقَّف كون القرآن حُجّة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه، فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله - تعالى - وصفاته، وفي معرفة

اللباب في علوم الكتاب · الجزء ١ · الصفحة ٢٧٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

اللباب في علوم الكتابج ١ · ص ٢٧٧