ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأما الفعل الدال على الوقف: فكأن يجعل أرضه مسجداً، ويأذن للناس في الصلاة فيه إذناً عاماً، ولو بفتح الأبواب وهو على هيئة المسجد، أو يَجعل أرضه مقبرة ويأذن للناس بالدفن فيها، لأن العرف جارٍ بذلك، وفيه دلالة على الوقف.
قوله: (ولا يُبَاعُ إلاَّ أن يَتَعَطَّلَ نَفْعُهُ، فَيُشْتَرى بِثَمَنِهِ ما يَقُومُ مَقَامَهُ) أي: ولا يجوز بيع الوقف، لقوله - لعمر - رضي الله عنه -: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِا لا يُبَاعُ، وَلا يُوهَبُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ» هذا لفظ البخاري (1).
وقوله: (إلاَّ أن يَتَعطَّل نَفْعُهُ) كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتاً ولم تمكن عمارتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، أو ضاق بأهله ولم تمكن توسعته في موضعه، أو محلِّ بيع قَلَّ العائد منه، فيجوز بيعه ويُشترى بثمنه ما يقوم مقامه، وهذا قول الإمام أحمد، ورواية عن مالك، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم (2)، ودليل ذلك ما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى سعد - رضي الله عنه - لما بلغه أنه قد نُقِبَ بيت المال الذي في الكوفة: «أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين، واجعل بَيتَ المَال في قِبلَةِ المسجدِ، فَإنهُ لا يَزَالُ في المسجدِ مُصَلٍّ» (3)، وكان هذا
(1) برقم (2764).
(2) انظر: "مجموع الفتاوى" (30/ 404)، (31/ 220،252،253)،"بدائع الفوائد" (3/ 127 - 128)، "الإنصاف" (7/ 100).
(3) أخرجه أحمد كما في "الفتاوى" (30/ 405)، (31/ 215)، والطبراني في "الكبير" (9/ 216) من طريق المسعودي، عن القاسم قال: «لما قدم عبد الله بن مسعود إلى بيت المال ... » الحديث، وإسناده=
= ... جيد إلى القاسم، لكن القاسم لم يسمع من جده عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، كما قال ابن المديني وغيره، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في عدة مواضع أن الإمام أحمد احتج به، وقد ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6/ 275) وعزاه للطبراني فقط، وقوله: (نقب): بفتح النون والقاف أي: تخرق، وبضم النون وكسر القاف: سُرق.