قوله: (وَلا يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ مِنْ مالِهِ وَلا يَبِيعُهُ إلاَّ الأبُ) أي: لا يجوز لولي الصغير والمجنون أن يشتري لنفسه شيئاً من مال أحدهما، ولا يبيع عليه شيئاً من ماله إلا الأب، بخلاف الوصي والحاكم، لأن الأب يلي بنفسه، فجاز أن يتولى طرفي العقد، كالنكاح، والتهمةُ بين الوالد وولده منتفية، إذ من طبعه الشفقة عليه، والميل إليه، وتَرْكُ حَظِّ نفسه لحظه، وبهذا فارق الوصِيَّ والحاكمَ.
وياذَنُ لِمَنْ مَيَّزَ لِيَخْتَبِرَهُ، وَلا يَأكُلُ إلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ .............................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وياذَنُ لِمَنْ مَيَّزَ لِيَخْتَبِرَهُ) أي: ويجوز لولي الصبي المميز الذي يعرف البيع والشراء والمصلحة والمفسدة أن يأذن له في التجارة، ليختبر رشده قبل البلوغ بما يليق به، فيدفع إليه شيئاً من ماله ليتصرف فيه بالبيع والشراء، فيتبين بذلك رشده من سفهه، لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ((((((إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا (((((((((((((((((((((((((((((((((((((﴾ (1) أي: اختبروا اليتامى في التصرف بمالهم قبل البلوغ، ليتمرنوا على التصرف، ويتهيئوا لدفع الأموال إليهم، فإذا بلغوا وعُلِمَ الرشد منهم وجب دفع أموالهم إليهم، أما الصغير الذي لا يميز فلا يدفع له شيء من المال، لئلا يضيع المال، أو يحصل منه ضرر.
قوله: (وَلا يَأكُلُ إلاَّ عِنْدَ الحَاجَةِ) أي: ولا يجوز لولي اليتيم أن يأكل من ماله إلا عند الحاجة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ (((((((فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ (((((((فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (2). وقد ورد عن عائشة {{قالت: «إنَّهَا نَزَلَتْ فِي وَالِي اليَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيراً أَنَّهُ يَاكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيهِ بِمَعْرُوفٍ» (3). فأباح الله تعالى لمن كان فقيراً أن يأكل بالمعروف، وهو: ما جرى به العرف من غير إسراف ولا تقتير، قال أهل العلم: والمعروف هو الأقل من كفايته أو أجرة مثله، ولا يلزمه
والرُّشْدُ: الصَّلاحُ فِي المَالِ .......................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العوض إذا أيسر، لأن الله أمر بالأكل من غير ذكر عوض، ولأنه عوض عن عمله، فهو كالأجير.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي يَتِيماً لَهُ مَال , وَلَيسَ عِنْدِي شَيء , أَفَآكُل مِنْ مَاله؟ قَالَ: «بِالمَعْرُوفِ»، وفي لفظ: «كُل مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبَذِّرٍ، وَلا مُتَأَثِّلٍ» (4) ومعنى «ولا مُتَأَثِّلٍ»: ولا جامع مالاً.
(1) سورة النساء، الآية (6).
(2) سورة النساء، الآية (6).
(3) أخرجه البخاري (2765)، (4575)، ومسلم (3019).
(4) أخرجه أبو داود (2872)، والنسائي (6/ 256)، وابن ماجه (2718)، وأحمد (11/ 359)، من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وإسناده حسن، وقال الحافظ في "فتح الباري" (8/ 241): " إسناده قوي" ويشهد له ما قبله.