القول الثانِي: جواز ذلك، وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ورواية عن أحمد، واختار ذلك ابن تيمية، وابن القيم، والشوكاني (1)، لأنه فيه مصلحة
وَلا يَصِحُّ عَمَّا لا يُؤخَذُ العِوضُ عَنْهُ .............................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للدائن، وهي أنه تعجَّل قبض حقه، ومصلحة لِلمَدِين وهي براءة ذمته وإسقاط بعض الدَّين عنه، وقد يحتاج صاحب الحق إلى حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع، وليس هذا من الربا، لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع كل واحدٍ منهما.
قوله: (وَلا يَصِحُّ عَمَّا لا يُؤخَذُ العِوضُ عَنْهُ) أي: ومن شروط المصالح عنه أن يكون مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا يجوز، وسواء أكان مالاً أو غير مال، فيجوز الصلح عن سكنى دار، وعن عيب في عوض، أو عن قَوَدٍ في نفس ودونها، ولا يجوز الصلح عما لا يؤخذ العوض عنه، مثل: أن يصالح امرأة على مال لتقر له بالزوجية، لأنه صلح يُحِلُّ حراماً، وكذا لا يجوز الصلح بعوض عن خيار في بيع، أو إجارة، أو شفعة، أو عن حد قذف، لأن هذه الأشياء لم تشرع لاستفادة مال، بل الخيار للنظر في الأحظ، والشفعة لإزالة ضرر الشركة، وحدُّ القذف للزجر عن الوقوع في أعراض الناس، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "يجوز الصلح عن حق الشُّفْعَة وعن الخيار، فإذا رضي إنسان بإسقاط حقه من الشفعة أو بإسقاط خياره مقابل شيء من المال صح، ولا دليل على المنع" (2).
وَيَصِحُّ مَعَ الإنْكَارِ ................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَيَصِحُّ مَعَ الإنْكَارِ) هذا النوع الثانِي من أنواع الصلح على مال، وهو الصلح مع إنكار المدعى عليه، كما إذا ادعى زيد على عمرو عشرة آلاف ريال، أو ادعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه هذا الدَّين، أو السيارة، أو الدار، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة وطلب البَيِّنَة أو اليمين أراد المدعى عليه قطع النِّزاع وافتداء اليمين، فصالح المدعي على سبعة آلاف ريال -مثلاً- فأخذها زيد وانتهى ما بينهما، فهذا النوع من الصلح يجوز، وهو مذهب الجمهور من المالكية والحنفية والحنابلة (3)، مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ ((((((﴾ (4)، فكل صلح فهو مشروع بظاهر هذا النص إلا ما خُص بدليل، ولعموم: «الصُّلحُ جَائِزٌ بَينَ المُسْلِمِينَ» (5)، ولأن الصلح إنما شرع للحاجة
(1) "المغني" (7/ 21)، "الاختيارات" ص (134)، "إعلام الموقعين" (3/ 371)، "إغاثة اللهفان" (2/ 11 - 14)، "السيل الجرار" (3/ 147).
(2) انظر: "المختارات الجلية" ص (85).
(3) "بدائع الصنائع" (6/ 40)، "المغني" (7/ 6)، "بداية المجتهد" (4/ 91).
(4) سورة النساء، الآية (128).
(5) تقدم تخريجه في أول باب "الخيار".