ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والقول الأول أرجح لقوة دليله، فإن حديثي جابر - رضي الله عنه - حديثان صحيحان صريحان في الأمر بوضع الجوائح، وأما حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - فهو ليس نصاً في الموضوع، إذ يطرقه احتمالات عديدة، فيحتمل أن السعر صار رخيصاً فكثر دينه لذلك، ويحتمل أنها تلفت بعد كمال صلاحها، أو بعد حَوزِها إلى الجرين (1)، أو البيت، أو السوق، إذ ليس نصاً في أنها تلفت وهي في ملك البائع حتى يُستدل به على وضع الجوائح، وعلى احتمال أنه جائحة بعد بدو الصلاح فهو منسوخ، لأنه باقٍ على حكم الأصل، ووضع الجوائح ناقل عنه (2).
ولا خلاف بين العلماء القائلين بوضع الجوائح أن الوقت المعتبر في وضع الجائحة هو الوقت الذي تحتاج إليه الثمرة للبقاء على رؤوس الشجر ليتم نضجها.
لكن اختلفوا في نهاية الوقت على أقوال عديدة، لعل أظهرها أن تبلغ الثمرة الغاية في الطيب، وتستغني عن السقي، ويؤخذ بقول أهل الخبرة، فإذا أجيحت بعد ذلك ولو في أيام الجذاذ فهي على المشتري، لأنها بذلك تم تسليمها، وانتهت علاقة البائع بالمبيع، والله أعلم.
قوله: (وَبُدُوُّ الصَّلاح فِي النّخْلِ أنْ يَحْمَرَّ أو يَصْفَرَّ) أي: إن بدو الصلاح في الثمار ليجوز بيعها يختلف، ففي النخل أن يظهر في البلح لون الحمرة
(1) الجرين: المكان الذي يداس فيه القمح ونحوه، ومكان تجفيف الثمار، "المصباح المنير" ص (97).
(2) انظر: "الفتاوى" (30/ 273)، "بداية المجتهد" (3/ 358 - 359).