وقوله: (بعد نِدَائِهَا) احتراز من النداء الأول الذي حدث في زمن عثمان - رضي الله عنه - لكثرة الناس وتباعد منازلهم (1)، فيجوز البيع بعد النداء الأول، لما تقدم، والحكمة من النهي لئلا يكون البيع والشراء ذريعة إلى التشاغل عن حضور الجمعة، وخُصَّ البيع لأنه من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش، وإلا فالظاهر أن سائر العقود كذلك، لأن المعنى الذي من أجله نُهي عن البيع موجود فيها، إلا عقود التبرعات كالهبة، لأنها لا تُلهي ولا تُشغل.
قوله: (ولا يَصحُّ بَيعُهُ عَلى بَيعِ أخِيهِ) أي: المسلم، كأن يقول لشخص اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو بعشرة، أو أعطيك خيراً منها
وَلا شِرَاؤُهُ عَلى شِرَائِهِ، ولا الصُّبْرَةُ إلاَّ قَفِيزَاً ...................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بثمنها، فهذا مُحرم، والبيع لا يصح، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَبِعْ الرَّجُلُ عَلَى بَيعِ أَخِيهِ» (2).
قوله: (وَلا شِرَاؤُهُ عَلى شِرَائِهِ) كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: أنا أشتريها بعشرة، فهذا محرم، والبيع لا يصح، لما تقدم، لأن الشراء في معنى البيع، ولأن في ذلك إضراراً بالمسلمين وتعدياً على حقوقهم، وإيغاراً لصدورهم.
قوله: (ولا الصُّبْرَةُ إلاَّ قَفِيزَاً) الصُّبرةُ: بضم فسكون، وهي -كما تقدم- الكومة المجموعة من الطعام، كالتمر، والبر، والشعير، سميت بذلك لإفراغ بعضها على بعض، يقال: صَبَرْتُ المتاع وغيره: إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض (3).
والقَفِيز: بفتح فكسر، جمعها أقْفِزَة، وقُفْزَان بالضم، وهو مكيال قديم يختلف باختلاف البلدان، وكان القَفِيز على وقت عمر - رضي الله عنه - الذي يقدر به الخراج يعادل ستة وثلاثين صاعاً (4)، والمعنى: أنه لا يصح بيع الصُّبْرة من الطعام إلا قَفِيزاً أو قَفِيزَين، للجهل بما يبقى بعد الاستثناء، وهذا هو المذهب. وعنه: يصح، قال في "الإنصاف": "وهو قوي" (5)، وهذا الخلاف إن جَهِلا قُفْزان
والحَيَوَانُ إلاَّ حَمْلَهُ أو شَحْمَهُ ....................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصبرة، فإن علما قفزانها كمائة قفيز صح البيع بلا نِزاع، للعلم بمقدار ما بِيع منها ومقدار ما بقي.
قوله: (والحَيَوَانُ إلاَّ حَمْلَهُ أو شَحْمَهُ) أي: ولا يجوز أن يباع الحيوان (إلا حَمْلَهُ) وهو ما في بطنه، فلو قال: بعتك هذه الشاة الحامل إلا حملها، لم يصح، لأن الحمل مجهول، وهذا هو المذهب.
والقول الثانِي: أن استثناء الحمل يصح، وهو رواية عن الإمام أحمد (6)، لأن الحمل جزء منفصل، مع أنه لا يجوز بيعه مفرداً عن أمه إجماعاً، لأنه غَرَر،
(1) أخرجه البخاري (912).
(2) أخرجه البخاري (2140)، ومسلم (1413).
(3) انظر: "تحرير التنبيه" ص (176)، "المصباح المنير" ص (331).
(4) انظر: "الإيضاح والتبيان" لابن الرفعة، ص (72).
(5) "الإنصاف" (4/ 304).
(6) "الإنصاف" (4/ 308).