لن أرد على شتائمك امتثالاً لقول الله عزّ وجل: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]؛ وقوله جل شأنه: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: 63].
ولكن أجب عن سؤالٍ واحدٍ فقط: ماذا تقول في سرقاتك العلمية التي ملأت صفحات الإنترنت؟
ودعك من الجولات التي تزعم أنك ستنسف فيها مقالاتي، - وهيهات هيهات! ففاقد الشيء لا يُعطيه - ودافع عن نفسك في هذه السرقات أمام الناس!!
وإن هربت وتهربت: فأنا أعلن على الملأ: أنني على استعداد لمناظرتك في السرقات وفي العلم.
وسألتني يا (حلبي) عن هذا الحديث، فقلت: "وَرَسُولُنا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يَقُولُ: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِم" .. أَمْ أَنَّ هَذا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ - أَيْضاً - يا دُكْتُور! -؟! لَعَلَّهُ!! لَعَلَّهُ؟!! ".
فأقول لك: - لتعرف من هو الذي ينطبق عليه: "ليس هذا بعشك فادرجي"، و"فاقد الشيء لا يعطيه":
هذا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أنه موقوف على عبدالله بن عمرو بن العاص.
وقد غرّك أن الشيخ الألباني - رحمه الله- قد صححه في ((صحيح الجامع)).
فأنت وأمثالك لا يخرجون عن صحيح الجامع وأقوال الشيخ الألباني مع أن كثيراً من أهل النقد يخالفونه في تصحيحاته.
وهذا الحديث قد رواه النسائي في ((سننه)) وبيّن الاختلاف في إسناده:
فرواه من طريق ابن إسحاق عن إبراهيم بن مهاجر عن إسماعيل مولى عبدالله بن عمرو عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)).
قال أبو عبدالرحمن: "إبراهيم بن المهاجر ليس بالقوي".
ثم ساقه من طريق محمد ابن أبي عدي عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)).
ثم ساقه من طريق غندر عن شعبة عن يعلى عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال: ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)).
ثم ساقه من طريق سفيان عن منصور عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبدالله بن عمرو قال: ((قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا)).
قلت: فبيّن النسائي - رحمه الله - الاختلاف في إسناد الحديث مرجحاً أن الصواب وقفه على عبدالله بن عمرو، ورواية غندر عن شعبة أصح من رواية ابن أبي عدي عن شعبة المرفوعة.
وممن رجّح الوقف من الأئمة: البخاري والترمذي والبيهقي.
فذكر الترمذي في ((العلل)) رواية ابن أبي عدي عن شعبة المرفوعة، وقال: "فسألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: الصحيح عن عبدالله بن عمرو موقوف".
وقال في ((الجامع)) بعد أن أخرج بعض الروايات: "وهكذا روى سفيان الثوري عن يعلى بن عطاء موقوفاً، وهذا أصح من الحديث المرفوع".
وقال البيهقي في ((السنن الكبرى)) بعد أن ساقه من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن يعلى: "هذا هو المحفوظ موقوف".
ثم ساق حديث من رفعه، ثم قال: "ورواه أيضاً ابن أبي عدي عن شعبة مرفوعاً، ورواه غندر وغيره عن شعبة موقوفاً، والموقوف أصح".
ثم إن هذا الحديث له تتمة حذفها (حلبي) ليدلس على القرّاء - كعادته -، وهي: ((لزوال الدنيا أهون على الله تبارك وتعالى من دم امرئ مسلم يسفك بغير حق - أو قال: يقتل بغير حق)).
فنحن لسنا مع سفك الدماء، بل الدماء مصونة ومحترمة، ولكن إذا سفكت بحقّ فهذا هو الشرع.
وقد ذكر الترمذي بعض الشواهد لهذا الحديث، فقال: "وفي الباب عن سعد وابن عباس وأبي سعيد وأبي هريرة وعقبة بن عامر وابن مسعود وبريدة".
قلت: وقد تتبعتها كلها، وهي من طرق ضعيفة جداً، ولا يصح أن تتقوى ببعضها البعض على طريقة كثير ممن لا يفقهون أصول النقد.