وهناك رواية لأبي سلام عن عبادة بواسطة!
روى سُلَيْمَان بن مُوسَى الأشدق، عن مَكْحُولٍ، عن أبي سَلاَّمٍ، عن أبي أُمَامَةَ، عن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ، قال: (أَخَذَ النبي صلى الله عليه وسلم وَبَرَةً من جَنْبِ بَعِيرٍ، فقال: أَيُّهَا الناس، أنه لا يَحِلُّ لي مِمَّا أَفَاءَ الله عَلَيْكُمْ قَدْرَ هذه إِلاَّ الخُمُسُ والخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ, وعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فإنه بَابٌ من أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يُذْهِبُ الله بِهِ الهَمَّ وَالْغَمَّ).
وهذا الحديث اختلف فيه على أبي سلام اختلافاً كثيراً:
فرواه مكحول عنه، عن أبي أمامة، عن عبادة.
ورواه عبدالله بن العلاء بن زبر، عن أبي سلام، عن عمرو بن عبسة.
ورواه أبو بكر بن أبي مريم، عن أبي سلام، عن المقداد بن معدي: أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء والحارث بن معاوية فتذاكرنا حديث رسول الله، فقال أبو الدرداء: يا عبادة، أعد عليّ كلمات رسول الله في غزوة كذا وكذا ... الحديث.
ورواه أبو يزيد غيلان مولى كنانة، عن أبي سلام الحبشي، عن المقدام بن معدي كرب، عن الحارث بن معاوية الكندي، قال: حدثنا عبادة بن الصامت وعنده أبو الدرداء ... الحديث.
ورواه دَاوُدُ بنُ عَمْرٍو، عن أَبي سَلَّامٍ، عن أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيِّ، عن النبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وقد رجّح البخاري رواية داود بن عمرو المرسلة، فإنه ساقها في "التاريخ الكبير" في ترجمة أبي سلام، ثم قال: "وقال عبدالرحمن بن الحارث عَنْ سُلَيْمَان بْن مُوسَى عَنْ مكحول عَنْ أَبِي سلام عَنْ أَبِي إمامة عَنْ عُبَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وداود أحفظ".
قلت: الظاهر أن الاختلاف من أبي سلام نفسه، وكأنه كان يضطرب فيه، وهذا إنما ينشئ من عدم حفظ الحديث المرسل، فإن عادة الشاميين كانت الإرسال، وهذا يؤكد أن أبا سلام لم يسمع من عبادة.
ولما ذكرت أن أهل النقد اتفقوا على أنه لم يسمع من ثوبان الذي كان في حمص وتوفي سنة (54 هـ) فمن باب أولى أنه لم يسمع من عبادة الذي توفي قبله بسنوات.
قال يحيى بن معين وعليّ بن المديني: "لم يسمع من ثوبان".
وقال أحمد بن حنبل: "ما أراه سمع منه".
وقال أبو حاتم: "قد روى عنه فلا أدري سمع منه أم لا! ".
وقال أبو حاتم أيضاً: "روى عن ثوبان والنعمان بن بشير وأبي امامة وعمرو بن عبسة: مرسل".
وقال العلائي: "روى عن حذيفة وأبي مالك الأشعري وذلك في صحيح مسلم، وقال الدارقطني: لم يسمع منهما".
وأبو سلام توفي سنة نيف ومئة كما قال الإمام الذهبي، ومثله لا يكون سمع ممن مات قبل الستين؛ وذلك لأن أهل الشام كانوا يتأخرون في السماع، وكانوا يطلبون الحديث وأعمارهم ما بين (25 - 30)، وكان الإرسال شائعا فيهم، ولهذا قال عنه الذهبي: "غالب رواياته مرسلة، ولذا ما أخرج له البخاري".
فطبقة سماع أبي سلام من الصحابة ممن مات بعد سنة (60 هـ) كأبي أمامة الباهلي (ت 86 هـ)، والنعمان بن بشير (ت 66 هـ).
وقد روى عن عبدالله بن عمر (ت 74 هـ) وأبي هريرة (ت 59 هـ) بواسطة: الحَكَم بن مِينَاءَ.
وبهذا نخلص إلى أن أبا سلام لم يثبت سماعه من عبادة بن الصامت (34 هـ)، وعلى فرض أنه سمع منه، فهذا لا يدل على أنه سمع من حذيفة الذي كان في المدائن! فإن الدراقطني لما نفى سماعه من حذيفة (ت 36 هـ) قال "أبو سلام لم يسمع من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق"، وهذا نفي لسماعه ممن نزل العراق من الصحابة؛ لأنه لم يرحل إلى هناك وهو شامي، وهذا يدلّ على دقة الإمام الدارقطني – رحمه الله تعالى-.
حديث: «اللهمّ إني أُحرّج حق الضعيفين ... »
سؤال (190) يا شيخ أريد أن أسأل عن حديث: «اللهم إني أحرج حق الضعيفين: المرأة واليتيم»، هل هو صحيح؟ ومن راويه؟ بورك فيكم.