فلا يصح هذا عن ابن عباس. ويُروى أن سعيد بن جبير كان يصلي أربع ركعات بعد العشاء.
رواه محمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (114) من طريق القَاسِمِ بنِ أَبِي أَيُّوبَ الأصبهاني، قالَ: «كَانَ سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ يُصَلِّي بَعْدَ العِشَاءِ الْآخِرَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَأُكَلِّمُهُ وَأَنَا مَعَهُ فِي البَيْتِ فَمَا يُرَاجِعُنِي الكَلَامَ».
والخلاصة أن أثر «صلاة أربع ركعات بعد العشاء كَعِدْلِهِنَّ مِنْ لَيْلَةِ القَدْرِ» لا يصح، لا مرفوعاً ولا موقوفاً! وإنما يُروى من قول كعب الأحبار (35 هـ)! وصحّ من قول عبدالرحمن بن الأسود النخعيّ (99 هـ)، ومُجاهد بن جبر (104 هـ)، وأصل قولهما يرجع لقول كعب الأحبار.
والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتب: خالد الحايك
العاشر من محرم لسنة 1440 هـ.
سؤال عن «الآثار الواردة في تبليغ السلام لسيّد الأنام صلى الله عليه وسلم»!
سألني الأخ الحبيب، والتلميذ النجيب الذي له في القلب مكانة تفوق رائحة الطيب: أبو فاطمة القرشي الأريب عن الآثار الواردة في تبليغ السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل هي مشروعة أم لا؟!
فأجبته بأن هذا الفعل بدعة! والآثار الواردة في ذلك ضعيفة إما رواية أو استدلالاً!
أما ما رُوي عن جابر بن عبدالله في هذا، ففهمه خطأ إن صح!!
رَوى يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ المَاجِشُون مولى آل المنكدر، قال: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بنُ المُنْكَدِرِ قَالَ: "دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بنِ عَبْدِاللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ، فَقُلْتُ لَهُ: «أَقْرِئْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي السَّلَامَ».
رواه أحمد في «مسنده» (18/ 201) (11660)، وفي كتاب «الزهد» (ص:16) (78) عن أَبي إِبْرَاهِيمَ المُعَقِّب إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّدٍ - وكَانَ أَحَدَ الصَّالِحِينَ -.
وهو في «العلل» (3/ 202) (4871) يرويه عبدالله بن أحمد عن أَبي إِبْرَاهِيم المعقب واسْمه إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن جبلة وكَانَ ثِقَة.
ورواه أحمد أيضاً في «مسنده» (32/ 228) (19482) عن مُحَمَّد بن مُقَاتِلٍ المَرْوَزِيّ.
ورواه ابن أبي الدنيا في «كتاب المنامات» (ص: 88) (163) عن أَحْمَد بن حَاتِمٍ الطَّوِيل.
ورواه الطبري في «تهذيب الآثار - مسند عمر» (2/ 515) (740) عن عَلِيّ بن مُسْلِمٍ الطُّوسِيّ.
ورواه ابن عساكر في «تاريخه» (11/ 236) من طريق عليّ بن المديني.
كلهم عن يُوسُف المَاجِشُوني، به.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وليس فيه أن جابراً هو من طلب من ابن المنكدر تبليغ السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره!
وإنما طلب ابن المنكدر من جابر - ورآه يموت – إذا مات والتقى بالنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يبلغه سلامه.
على أن مغلطاي أشار إلى تعليل هذه الحكاية!
فلما ذكر المزي هذه القصة في ترجمة «جابر بن عبدالله» من كتابه «تهذيب الكمال» تعقّبه مغلطاي في «الإكمال» (3/ 132) فقال: "وفي قول المزي: [وقال يوسف بن الماجشون عن محمد بن المنكدر: دخلت على جابر بن عبدالله وهو يموت، فقلت: اقرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام] – نظر! لما ذكره أبو القاسم البغوي في «معجم الصحابة»: حدثنا سريج: حدثنا يوسف الماجشون، عن محمد بن المنكدر: أنه دخل مع جابر بن عبدالله على رجل يموت فقال - يعني جابراً -: أبلغ محمدا منا السلام. وكذا ذكره الإمام أحمد في كتاب «الزهد» ".انتهى كلام الحافظ مغلطاي رحمه الله.
قلت: نعم رواه البغوي في «معجم الصحابة» (1/ 446) (286) عن سُريج بن يونس البغدادي المروزي، عن يوسف الماجشون، عن محمد بن المنكدر: أنه دخل مع جابر بن عبدالله على رجل يموت فقال: أبلغ محمدا منا السلام.
ففي هذه الرواية أن جابراً هو من طلب هذا من الرجل الذي يموت! لكن رواية الجماعة ترجح على رواية سُريج وإن كان ثقة، إلا إذا كان يوسف الماجشون يضطرب في ذكر هذه القصة! والله أعلم.