وقد ورد في الأثر " أن عدل ساعةٍ يعدل أن تعبد الله ثمانين عاماً". وقد ورد أيضاً أن حجراً ضَجَّ بالشكوى إلى الله عز وجل ، قال: يا رب ؛ عبدتك خمسين عاماً ، ثم تضعني في أُسِّ كنيف !! أي في دورة مياه ، في الحمام ، لقضاء الحاجة ، ورد هكذا أن الله عز وجل قال له : " تأدَّب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم " ، أي أن مكانك في الكنيف أشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاضٍ ظالم ، والله عز وجل هو الحق ، لذلك شرع القصاص .
ولا بد من نظرةٍ متأنية لحقيقة القِصاص ، حقيقة القِصاص هي التأديب والإصلاح ، التأديبُ من أجل الإصلاح ، وهذان المعنيان ينطلقان من مفهوم التربية ؛ أي أنك أب ، أو معلم، أو مدير مدرسة ، أو حاكم، أو وزير ، أو بأي منصب ، وأساء عندك إنسان ، فهل يعقل أن تتخلى عنه لأنه أساء ؟! وهل يعقل أن يُؤخذ الإنسان بذنبٍ واحد ؟ هل يعقل أن يسحق الإنسان إذا أخطأ مرةً واحدة ؟! أما إذا أخطأ فعوقب ، فماذا فعل العقاب فيه ؟ ترك عنده خبرةً مؤلمةً ، وهذه الخبرة المؤلمة قد تردعُه عن أن يفعل هذا مرةً ثانية ، وهذه هي حقيقة القِصاص .
فمستحيل أن يكون القصاص انتقاماً ، ولا يليق بالله عز وجل أن يوقع القِصاص بعباده انتقاماً ، لأن عباده ؛ إنسهم وجنهم لو وقفوا على صعيدٍ واحد ، وسأله كل واحدٍ منهم مسألته ما نقص في ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا غُمس في مياه البحر ، ولو أن عباده جميعاً انسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد منهم ما نقص في ملكه شيئاً ، ولو أنهم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منهم ما زاد في ملكه شيئاً .
إذاً مستحيل أن يوقع الله عز وجل القِصاص انتقاماً ، لكنه يوقع القِصاص تأديباً ورحمةً ، فمبدأ القصاص مبدأ تربوي ، ينطلق من رحمة.