ولم يُخاطب النبي عليه الصلاة والسلام إلا بِقَوْله : يا أيها النبي ، ويا أيها الرسول ، فَهُناك دلائل كُبْرى في كتاب الله تُبَيِّنُ عظمة هذا النبي صلى الله عليه وسلَّم ، وقد يسأل سائِل : من أين جاءَت هذه العَظَمَة ؟ ومن أين جاء هذا الخُلُق العظيم ؟ ومن أين جاء هذا الحِلْمُ والمروءة والرحمة والحِكمة والتواضع ؟ فكان الجواب : قال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)
[ الناس : الآية 1 ]
أنا كذلك لأنَّني عُذْتُ بِرَبِّ الناس ، فهذا الخُلُقُ العظيم وهذه النفْسُ المُشْرِقَة والعَقْلُ الراجح والصِّفات النامِيَة إنما اشْتَقَّها النبي عليه الصلاة والسلام من الله سبحانه وتعالى عن طريق الاتِّصال به تعالى والعِياذِِ به ، فكلمة أعوذ مُضارع ، ماضيها عاذَ ، ومصْدَرُها عِياذ وعَوْذٌ ، فالعِياذ بالله عز وجل هو سببٌ لِكُلِّ مكْرُمَة .
والآن فإنك ترى أنّ الصورة قد انْقَلَبَتْ من وصْفٍ للنبي عليه الصلاة والسلام إلى طريقٍ سالِكٍ إلى الله عز وجل ، فَكُلُّ واحِدٍ يسْمعُ هذا الكلام إذا أراد الخُلُق الرفيع والمقام المحْمود عند الله ، وإذا أراد أنْ تكون له سعادته الأبَدِيَّة ، وأن يكون حليماً كريماً ومُتواضِعاً وجريئاً وصاحِبَ مُروءة ، حكيماً وذَكِياً وفَطِناً فالطريق لكل أنْ يتَّصِل بالله عز وجل ، قال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ(1)
[ الناس : الآية 1 ]
فلا تعْجبوا : أدَّبني ربي فأحْسن تأديبي *
[كنز العمال عن ابن مسعود]