فإذا شَهِدْتَ أحَدِيَّتَهُ واسْتَغْرَقْتَ بها سَعِدْتَ في الدنيا والآخرة ، أيْ مفتاحُ السعادة كُلِّها أنْ تشْهَدَ أَحَديَّتَهُ ، وأنْ تشْهَدَهُ واحِداً لا مثيل له ولا مُشابِهَ له ، ولا شريك له ، ولا مُقارب له ، فإذا شَهِدْتَ هذه المُشاهَدَة ملكْتَ حالاً لا يعْرِفُها إلا من ذاقَها ، هذه الحال هي الطمأنينة ، إنَّ الله يُعْطي الصِحَّة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلْقِهِ ، ولَكِنَّهُ يُعْطي السكينة بِقَدَرٍ لأْصْفِيائِه من المؤمنين ، السكينة التي في قلب المؤمن طمأنينة لو وُزِّعَت على أهْل الأرض لَكَفَتْهُم ، فلا يرى إلا الله عز وجل ، ولا يخاف إلا من الله ، ولا يرْجو إلا الله ، ولا يرْغب إلا فيمَا عند الله ، إذا جاء الملِك إلى الكعبة المشرَّفة يطوف ؛ دَعْهُ يطوف ! فَطَلَب أحد علمائِها الكبار ، فلما الْتَقى به قال : سَلْني كُلَّ حاجة فقال : والله إنِّي أسْتَحي أنْ أسْألها غير الله ، وأنا في بَيْتِ الله ، لكني أقول : اِحْمِني من النار ، فقال له الملك : هذه لا امْلِكُها فقال له : إذاً ليس لي عندك حاجة ، سيّدنا أبو حنيفة دخل على المنصور ، فقال له المنصور : يا أبا حنيفة تَغَشاَّنا ، أيْ زورنا ، فنأْنسَ بك ونتبارك بك ، أنت الإمام الأعظم ، قال : ولِمَ أتَغَشَّاكم وليس لي عندكم شيء أخافُكم عليه ؟! وهل يتغاشكم إلا من خافكم على شيء ، معنى أحد ألاّ ترى إلا الله ، وبه تصيرُ عزيزاً ، فإن رأيْتَ مع الله أحداً فلا بدَّ أن تخاف منه ، ولا بدّ أن ترْجوه وتُنافق له ، أما إنْ رأيْتَ الله عز وجل وليس معه أحد كنت عزيزاً ، وعلامة المؤمن عِزَّتُه ، وشَرَفُ المؤمن قِيامُهُ بالليل ، وعِزُّهُ اسْتِغناؤُهُ عن الناس ، أحْياناً الإنسان يُعَلِّق آماله بِزَوْجَتِهِ فإذا به يخيبُ ظنُّه ، ويُعَلِّق آماله بابنه فإذا به يسافر ويتزوَّج ويتجنَّس ويبْقى بأوروبا ! فهذا ما رأى الأحَدِيَّة ، إنما رأى ابنه هو
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٩٥٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٩٥٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي