هذا ما يفعله معظم الناس ، يتوهمون أن سعادتهم كلها بالمال ، وأن المال هو كل شيء ، وأنه عصب الحياة ، ومادة الشهوات ، وأنه من ملك المال ملك كل شيء ، وأنه من خسر المال خسر كل شيء ، والدراهم مراهم ، هكذا يتوهم الناس ، فإذا لهثوا وراء المال وبلغوا خريف العمر ووجدوا أن المال لم يحقق لهم ما كانوا يتوقعون من سعادة ، عندئذ يكون الشعور بالخسارة الكبرى ، المال شيء ولكنه ليس كل شيء ، سيدنا أبو ذر قال : " حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي " .
شعور الإنسان في خريف العمر حينما يحبط عمله ، وحينما يخفق في مسعاه ، وحينما يشعر أنه أمضى حياة كلها شقاء في شقاء ، وأن المال لم يسعده ، وأنه أتعبه كثيراً ، وأنه سبَّب له عداوات خطيرة ، عندئذ يعض على يديه ، ويقول يا ليتني لم أفعل هذا .
يقول الله عز وجل لعبده : أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ فقال يا رب لم أنفقه على أحد مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، فقال الله عز وجل : ألم تعلم أنني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إنّ الذي خشيته على أولادك أنزلته بهم " .
ويقول الله عز وجل لعبد آخر : أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ فقال يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين، لثقتي بأنك خير حافظا ، وأنت أرحم الراحمين فيقول الله عز وجل : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك" .
ترى المؤمن يتوفاه الله عز وجل ، ولكن أولاده في رعاية الله ، وفي حفظه الله ، وفي توفيقه ، وقد لا يدع لهم مالاً كثيراً ، ولكنه ترك لهم سمعةً طيبة يعيشون بها بين الناس ، أما أبو لهب فما أغنى عنه ماله وما كسب ، ماذا يفعل المال ؟ ..