تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يُعْقَلُ أنْ تعْبدوا ما أعبُدهُ ، إذْ لو أنَّكم عَبَدْتُموهُ لَكَفَّكم عن شَهَواتكم ولسْتُم بِتاركيها ! أحْياناً يتَكَلَّفُ الإنسان أنْ يُناقِش إنسانًا شَهَوانيًا ، أنا أقول له : لا تُناقِشْهُ ، إلههُ شَهْوَتُه ، فلن يَدَعَها من أجلك ، بمعنى ذلك أنَّهُ لا يكفُّ عن شَهَواتِهِ كُلِّها ، وبالتالي لا ينْضَبِط ، إذاً : وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)

[الكافرون : الآية 5 ]

فلا يتَحَمَّل هذا المُشْرك أن ينقطع عن بعض شَهَواتِهِ ، هذا المعنى الأوَّل .

المعنى الثاني : قوله تعالى : وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)

[الكافرون : الآية 4 ]

فما الفرق بينهما ؟ لا فرق ! قال بعض المُفَسِرين : هو التَّكْرار ، وهو تَكْرار التَّهْويل والتعظيم ، وقال بعضُهم الآخر : (لا أعبُدُ) هذا فِعْلٌ مُضارع ، ولا أنا عابِدٌ هذه اسمُ فاعل ، وشَتانَ بين الكلمتين ، فإذا قلتَ : لا أعبد ، فأنا أنْفي عن نفْسي فِعْل العِبادة ، ولكن إذا قلت : ولا (أنا عابد) ، فأنا أنْفي عن نفْسي إمْكانِيَّة العِبادة ، كأن تقول : فُلانٌ لم يسْرِق ، فأنت هنا نَفَيْتَ عنه فِعْلَ السرقة ، أما إذا قلتَ : ما هو بِسارِق فقد نَفَيْتَ عنهُ إمْكانِيَّة السَّرِقة ، فلا يُعْقَلُ أنْ يسرِق ، فاسمُ الفاعل أشَدُّ في النَّفْي من الفِعْل المُضارع ، فله معنى الاسْتِمْرار ، مثلاً أنا أكتب ، يُمْكن أنْ أكْتُبَ مَرَّةً في ِحِياتي ، فَيُقال: أنا أكتُب ، فعل مُضارع ، أما أنا كاتب ، فَهِيَ تعْني أنَّ مِهْنتي الكِتابة ، فربنا عز وجل قال : لا أعبد ما تعْبدون ، وفي الثانِيَة : ولا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُم ، فلا أعبد آلِهَتَكم ، وليس عندي إمْكانٌ إطْلاقاً أنْ أعْبُدها ، لا أعبُدها ولن أعْبُدها ! فالإمْكانِيَّة مُنْعَدِمة ، فالأوَّل نَفَيْنا به الفِعْل ، وفي الثاني نَفَيْنا الإمْكانِيَّة ؛ هذا معْنى آخر من معاني التَّكْرار .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٨٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٨٩٠