تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

منذ أسابيع عِدَّة كنتُ في سهرة و كان معنا أخٌ كريم ، اليوم بُلِّغْتُ نبأَ وفاته رحمة الله عليه ، قبل أيَّام كان من أهل الدنيا و الآن من أهل الآخرة ، قبل أيام كان يأكل ويشرب مثلَنا والآن ليس له إلاَّ زادٌ واحدٌ وهو العمل الصالح ، دُعيتُ إلى تشييع جنازة أخ من الذين آتاهم الله الدنيا ؛ فالرجل كان صالِحاً ؛ يُصلي ويصوم ويحْضر الدروس ، وأحد أهل العِلْم في جنازته قال : كان أخوكم مُؤَذِّن ، أنا قلتُ : لا يُذْكر من عمل العبد إلا ما كان للآخرة ، فلا يذكر كيف كان بَيْتُه ، ولا أثاث بيْتِه، ولا كيف كان عمله ، فلما تكون أعمال الإنسان طَيِّبَة فهذا هو الذكِيّ ، وهذا هو الغنِيّ الغِنى والفقر بعض العرْض على الله ، دائِماً اسْأل نفْسَكَ هذا السؤال : ماذا فعلتُ من أجل الله ، قال عليه الصلاة والسلام : هل عَرَفْتَ الربّ ؟ قال : نعم، فقال : ماذا صَنَعْتَ في حَقِّهِ ؟ والله سؤالٌ يَقصمُ الظهْر ، سلْ نفْسَكَ هذا السؤال : هل تعْرِفين الله ؟ تقول لك : نعم إنَّهُ خالق الكون ، ماذا فَعَلْتِ من أجْله ؟! في بيتك مخالفات و تقصير و معاص ، الزوْجة تفعل ما تشاء و لا رادع ، والبنت تائهة ، والدَّخْل فيه شُبهة ، ما هذه المَعْرِفَة ؟ قال : هل عَرَفْتَ الربّ : قال نعم ، قال : فماذا فَعَلْتِ من أجْله ؟! هذا هو السؤال المطْروح ، هل وَلَيْتَ منه وَلِياًّ ؟ لا ، هل عادَيْتَ فيه عَدُوًّا ؟ لا ، إذاً أنت لا تعْرِفُهُ ، سيِّدُنا عمر قال له : هل سافَرْتَ معه فقال : لا ، فقال له : هل جاوَرْتَهُ ؟ فقال : لا ، فقال له : هل حاكَكْتَهُ بالدِّرهَمِ والدِّينار ؟ فقال : لا ، قال عمر : فأنت لا تعْرِفُهُ ، أقول لكم قِياساً على هذا الحديث ؛ إنْ كان لك معْصِيَة ولا تدْري عِظَمَها فأنت لا تخافه ولا ترْجوه ، هناك عذابٌ في الدنيا يشيب له الوِلْدان ، رجُلٌ ملءُ السمع والبصر يبْكي كالأطْفال ، وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبكى ، يُسَلِّطُ عليه

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٧٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٧٨٩