البشَرِيَّة لها عواطف تأخذ وتعطي ، وهذا القاضي لما قال : ما اسْتَوَيا في نظري ، ربنا عز وجل قال : ميزان ، والميزان حديد والحديد لا يتأثَّرُ بالعواطِف ، فهذا الميزان لا يأخذ بالحجم ولا يتمنى أنْ تكون هذه القِطْعة أوْزَن من هذه ، ربنا عز وجل لما قال : ميزان معنى ذلك أنَّ تقْييم الأعْمال يوم القِيامة من الدِّقَة المُتناهِيَة بِحَيْث أنَّهُ لا مثيل له في الأرض أعْمالكَ كُلُّها صغيرُها وكبيرُها وجليلُها وحقيرُها خاصُّها وعامُّها، فلو وضع النجار عِوَضَ البراغي مسامير يُحاسَب على هذا العمل الخَفِيّ ؛ فالنجار له ميزان والحداد له ميزان وصاحِبُ المصْلَحَة له ميزان والدهان له ميزان ، وكُلُّ صاحب صَنْعَةٍ له ميزان يُحاكم فيها ، الطبيب يُحاسب حِساباً غير حِساب المُحامي ، لم يقُل الله عز وجل فأما من ثقلت سيِّئاته ! السيِّئات ليستْ داخِلَة في الحِساب إطْلاقاً ؛ الشيءُ الداخل في الحِساب هو الحَسنات ؛ لذلك قال تعالى : والعصْر إنَّ الإنسان لفي خُسْرٍ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .." من هذه الآية يتَّضِحُ أنَّ هذه الحياةُ الدنيا إنما جِئنا إليها من أجل العمل الصالح ؛ وهذا العمل سوف يُقَيَّم تقْييماً مُتناهِياً في الدِّقَة العمل يُقَيَّمُ بِنِيَّةِ صاحِبِه ولِهَدَفِه ، بِمِقْدار ما أزاح من وقْتِ ومن جُهْدٍ وخِبْرة الشيءُ الغريب أنَّ الله سبحانه وتعالى قال : عيشَةٌ راضِيَة ، ولم يقُل مَرْضِيَّة ! لماذا ؟ راضِيَّة اسمُ فاعِل ؛ الأصْلُ أنْ تقول في كلامك : أنا راضٍ عن هذا البيت ؛ أما أنْ أقول هو راضٍ عنِّي فهذه ليس لها معْنى فَلِماذا لم يقُل الموْلى عز وجل فَهُوَ في عِيشَةٍ مَرْضِيٌّ عنها ؟ هذا الموضوعُ مُعَقَّد ، فقد قال بعضُهم : قد يُسْتَخْدَمُ اسم المفْعول مكان اسم الفاعل ؛ تقول جريح وهو بِمَعنى مَجْروح وكذا قتيل وطريح فهذا في اللغة وارِدٌ ، وكذا وارِدٌ أنْ نسْتخدم اسم الفاعل مكان اسم
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٧٥٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٧٥٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي