لماذا لم يقل الله عز وجل : فأما من ثقُلَ ميزانه ؟! وقال : ؛ لِمَ جاءتْ كلمة موازين بالجمْع ولم تأتِ بالمُفْرد ؟! قد تضْطر لِوَزْن الذهب وهناك ميزانٌ خاصٌ للذهب ، إذا كان هناك مِرْوَحة توقِفُها لأنَّ ضغْط الهواء قد يُسَبِّب رُجحان كَفَّة الذهب والذَّهب غال ، فللذهب ميزانه ، ولكن إذا وَزَنْتَ شيئاً بالكيلوغرامات لا تحْتاج إلى تَوْقيف المِرْوَحَة ، ولا إلى ميزان حساس هناك موازين إنْ وَضَعْتَ ورقَةً وكَتَبْتَ اسمك عليها وزْنُ المِداد يُرَجِّحُ الكَفَّة ؛ هذا ميزانٌ حساسٌ ؛ هناك ميزانٌ أشَدُّ حساسِيّة بِحَيث لو وَضَعْتَ يدك على الكَفَّة وَهَبَطْت بها ؛ هذا الهُبوط الخفيف يُسَبِّبُ هُبوط الكَفَّة ، وهناك ميزانٌ لو وَضَعْتَ عليه مئة كيلوغرام لا يتَحَرَّك ؛ وهو ميزان السيارات الضَّخْمَة ؛ فَرَبُّنا عز وجل قال : فأما من ثقلت موازينه معنى ذلك أنَّ كُلُّ عَمَلٍ له ميزانٌ خاصٌّ به ؛ السَّبَقَة لها ميزان ، والذكاءُ له ميزان ؛ مُعامَلَتُك لِوالِدَيك لها ميزان ؛ علاقتك بِزَوْجتك لها ميزان ، وكذا بِأوْلادك ، كَسْبُكَ للمال له ميزان ؛ كيفَ أنْفَقْتَهُ؟ له ميزان ، وكذا وَقْتُك والعمل الصالح وعلاقتك بالجار ؛ كلُ هذه لها ميزان ، لذلك ربنا عز وجل قال : ثقُلَتْ موازينه ، ومعنى ثقُلَت أيْ ليس هناك حاجَةً لِوَزْن الحسنات ثمّ لِوَزْن السيِّئات ! بل توضَعُ الحسنات في كَفَّة والسيِّئات في كَفَّة فإذا رَجَحَتْ السيِّئات - لم يقُل الله عز وجل رَجَحَتْ بل خَفَّتْ ومعنى ذلك الأصل الحسنات والحديث عن الحسنات فقط إما أنَّها راجِحَة وإما أنها خفيفة أو كأنَّ الحسنات هي كُلُّ شيء ؛ إما أنها كافِيَة لِتَسْعَد بالجنَّة إلى الأبد وإما أنَّها خفيفة ليستْ كافِيَة لذلك قال عليه الصلاة والسلام حينما أمر أحد الصحابة رِضْوان الله عليهم أنْ يَدَعَ الجِهاد معه وأنْ يُلازم أمَّهُ وأباه وقال : صابر الله في بِرِّهِما ،
تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٧٥٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٧٥٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي