تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كيف تريد من أمٍّ أن تضحك ولها ابن معذب ، ولها ابن مسافر ، ولها ابن ذو عاهة ، كيف تريدها أن تكون مسرورة ؟ معظم الأمهات إذا كان أبناؤها مقدمين على امتحانٍ قريب تراهنّ مهمومات أكثر منهم ، وذلك لِما في قلب الأم من الرحمة والحنان والعطف ؟ وفي قلب النبي عليه الصلاة والسلام من الرحمة ما لا يصفه الواصفون ، لذلك حينما شرح الله عزوجل صدره للإسلام، وبيَّن له طريق الهداية أصابه سرور بالغ ، فقال له تعالى مسليًّا إياه وممتنًا عليه :

(سورة الشرح )

كنت في ضيق فمنّ الله عليك وشرح صدرك ، فالإنسان أحيانا يقول له الطبيب : الحمل عند الزوجة غير طبيعي ، وقد تكون الولادة عسرة ، وفي الصور المبدئية هناك تشوه في الجنين ، منذ أن قال الطبيب هذه الكلمة الهم بدأ يأكل قلب هذا الزوج ، كيف سيكون هذا المولود ؟

أيكون مشوهاً ؟ أيكون مشلولاً ؟ يفقد بعض حواسه ؟ فإذا وضعت الزوجة المولود سليماً يشعر أن كابوسًا أزيح عن صدره ، ويشعر أن جبلاً كان جاثماً على صدره وأزيح ، هذه أمثلة مبسطة .

النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى الناس في ضلال ، وفي ضياع ، وفي شقاء وفي هلاك ضاق صدره ، واغتم ، وضاقت عليه الأرض ، فلما نزل قوله تعالى مسلياً إياه ، وممتنًا عليه ، ومبيناً له طريق الهدى ، قال ربنا عزوجل :

هذه الهمزة للاستفهام الإنكاري ، ولم حرف نفي ، ونفي النفي إثبات ، لذلك :

معناها لقد شرحنا لك صدرك .

ألست بربكم قالوا بلى ، معناها أنت ربنا ، نفي النفي إثبات :

فما معنى الشرح ؟

قال بعض المفسرين الشرح هو التوسعة والانبساط ، وضده الضيق والقبض ، ولا يعرف الإنسان انشراح الصدر إلا إذا كان مغتماً ، وقالوا : وبضدها تتميز الأشياء .

وربنا سبحانه وتعالى لحكمة بالغة يقلب العبد بين الغم والفرح ، وبين الهم والانشراح ، ولا يعرف الانشراح إلا من أصيب بالهم ، ولا يعرف الفرح إلا من أصيب بالحزن .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٦٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٦٢٦