هذا هو القرآن الكريم : " وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ " ، بَخِلَ بماله ، بَخِلَ بوقته ، فلماذا خلقت في الدنيا ؟ أو بَخِلَ بخبرته ، يخاف أن يعطي الخبرة لصانع فينافسه في العمل ، فيبخل عليه ولا يعلمه ، إذًا بَخِلَ بالعلم ، بَخِلَ أن يكلم فلانًا من أجل فلان ، وبَخِلَ بجاهه ، وبَخِلَ بكل شيء ، و(بَخِل) من دون مفعول به ، مطلقة ، فمجرد البخل والإمساك والحرص ، وأندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً ، فهؤلاء هم البخلاء .
قال تعالى :
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
(سورة الحشر :آية 9)
إنّ الذي نجى من مرض البخل فهذا من المفلحين ، وأما من بَخِلَ ، مطلقًا ، هناك شخص تستشيره بشيء يقول لك : لا أعرف ، تعال إلى المكتب ، لا يستطيع أن يتكلم إلا في المكتب لأن هناك أجرة .
(سورة الليل )
فلا رازق إلا الله ، ومعنى (اسْتَغْنَى) أيْ استغنى بما عنده من مال عن رحمة الله ، واستغنى بالشهوات عن الآخرة ، واستغنى بنظرية ابتدعها عمَّا قاله الله عز وجل في كتابه ، واستغنى بتقاليد وعادات جاهلية عن سنة النبي المطهرة ، ثم استغنى بنفسه عن ربه ، " وَأَمَّا مَنْ َبخِلَ وَاسْتَغْنَى" .
(أَعْطَى) يقابلها (بَخِلَ) ، (وَاتَّقَى) استقام على أمر الله ، ويقابلها (اسْتَغْنَى) ، استغنى عن هذا الشرع .
تقول له : هذا حرام ، فيقول لك : تكلم كلامًا واقعيًا ، ولا يعبأ بالشرع ، ولا يعبأ أكان هذا الدخل حلالاً أم حراماً ، فاستغنى عن رحمة وتجليات الله ، واستغنى عن الآخرة عن الجنة ، واستغنى عن توفيق الله ، وعن حفظ الله ، وعن رعاية الله ، فكلمة (اسْتَغْنَى) مطلقة أيضاً .
(وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى) فلم يرَ إلا الحياة الدنيا ، أما ما وعد الله به المؤمنين في جنة عرضها السماوات والأرض فهذه كذَّب بها ، قال لك : أنا إنسان واقعي ، ليس بحالم ولا غيبي .
أما هذا العطاء الكبير الذي وعدنا الله به فقد كذّب به .