تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى " ، ولكن هذا العطاء لا بد له من أساس وهو التقوى ، أي اتقاء ما نهى الله عنه ، والاستقامة على أمره ، أعطى واستقام على أمر الله ، اتقى أن يعصي الله ، واتقى مغبة المعصية ، اتقى أن يخرج عن أمر الله ، وأيُّ العطاء من دون أن يتقي الإنسانُ معصية الله لا قيمة له ، إنه ذكاء اجتماعي ، إنه دفعة مقدمة يقبضها في الدنيا ، وليس له في الآخرة من خلاق ، أعطى واتقى ، والعطاء كالماء ينصب في برميل ، أما اتقى فتعني الاستقامة ، وكأنها قعر البرميل ، فلو صببت على البرميل ماءً ولا قعر له فمتى يمتلئ البرميل ؟ لن يمتلئ ، إذْ لا بد من عمل صالح مبنيّ على الاستقامة .

هذه الآية تلخِّص الدين بأكمله ، قال تعالى :

(سورة الليل )

صدِّقْ بالهدف العظيم النبيل الذي خلقت من أجله ، لقد خلقت لهدف نبيل ، هو معرفة الله، خلقت للسعادة ، وللرحمة ، وللتنعم في جنة عرضها السماوات والأرض إلى الأبد ، خلقت لهذا ، فمن صَّدق بهذا الخبر العظيم واستقام على أمر مولاه العظيم وأعطى ممّا آتاه الله ، فالجزاء إذًا :

(سورة الليل )

ما هي اليسرى ؟ هو الشيء الذي يسرك بدءاً من لحظة التوبة وإلى الأبد ، فإذا أعطيت واستقمت وآمنت ، فعرفت الله أولاً ، واستقمت على أمره ثانياً ، وفعلت الصالحات ثالثاً ، فسوف ييسرك لليسرى الله سبحانه وتعالى في بيتك ، وعملك ، وصحتك ، وزوجتك ، وأولادك ، ومكانتك ، وكلما ازداد العمر يوماً ازددت سعادة وقناعة وتبصرة ومكانة وعلماً ، فإذا جاء الموت بدأت السعادة الكبرى التي وُعِدت بها ، وعند الموت يحس الإنسان أن كل عطاء أعطاه الله إياه في الدنيا ما هو إلا دفعة صغيرة من الحساب ، دفعة تشجيعية .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٥٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٥٨٦