تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلو أنَّك ترى الأبيض والأسْود والرمادِيّ فقط فما قيمة هذه الأزهار ؟ وزُرْقَة السماء والبحْر؟ وما قيمة هذه الألْوان الزاهِيَة ؟ كُلُّ هذه الألْوان التي خلقها الله في الأرض المُمْتِعَة الجميلة لا قيمة لها لو حُذِفَتْ من شَبَكِيَّة العَيْن المخاريط وبَقِيَتْ العُصَيَّات ، سَترى ولكِنَّك ترى الأبيض والأسْود فقط ! قال تعالى :

أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)

[ البلد : الآية 8 ]

والله الذي لا إله إلا هو لو فَكَّرْنا في العَيْنَيْن وحدهما لذابت نُفوسُنا خَوْفاً وخُشوعاً وتعْظيماً يا رب لمَ خَلَقْتَ لنا عَيْنَيْن ؟ فماذا لو خلَقْتَ لنا عيْناً واحدة كما خَلَقْتَ لنا قلْباً واحِداً ؟! بالعَيْن الواحِدة لا ترى إلا المُسَطَّحات ، أما بالعَيْنيْن فترى الحُجوم ، وبالعَيْن الواحدة ترى الطول والعرْض وبالعَيْنَيْن نرى الطول والعرض والبُعْد ، والتَّجْربة سهْلة في هذا ، فلو حاوَلْتَ أن تضع الخيط في الإبرة بِعَيْنٍ واحدة لأدْخَلْتَ الخيط عن بُعْد عشرة سنتمتر ظنا منك أنَّك تُدْخِلُهُ في الثُّقب !! لكن بالعَيْنَيْن تكْشِفُ المسافة التي هي العُمْق ، ولولا العيْنان لما قدَّرْتَ المسافات فأربع أخْماس حركاتنا مشْياً أو ركضاً أو قِيادَةً ، ألم نجْعل له عيْنين ؟ وبالمُناسبة فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم في ثمانِيَة عشرة آية ذكر السَمْع والبصر وفي سبْعَةَ عشرة آية حصْراً ذكر السَّمْعَ قبل البصر ! والشيء الثابت عِلْمِياً أنَّ حاسَّة السَّمْع تتشَكَّلُ قبل حاسَّة البصر، وأنَّ الجنين يسْمعُ بعض الأصوات وهو في بطْن أُمِّه ، وأنَّهُ يسْتجيبُ للأصْوات بِحَركاتٍ وهو في بطْن أُمِّه ولكنَّهُ لا يسْتجيبُ للضَّوْء إلا بعد الوِلادة ، ولذلك في سبعة عشرة آية قال تعالى :

[ المؤمنون : الآية 78 ]

وفي آيةٍ واحدة قال تعالى:

[ السجدة : الآية 12 ]

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٥٣٥